الفصل السابع

 

اقتسام المشرق العربي والخداع الإنجليزي

 

صراع الدول الإحتكارية

 

ان من أبرز ميزات عصر التنافس الاحتكاري كان ظهور قوى جديدة في عالم الرأسمالية رأت نفسها "مهضومة الحقوق" بالنسبة للدول الإستعمارية القديمة. فهؤلاء الجدد، وهم الألمان واليابانيون وأميركان الولايات المتحدة والإيطاليون، كانوا يتمتعون بميزات تجعلهم منافسين خطرين لقدماء المستعمرين: كانوا يمتلكون صناعات حديثة من الدرجة الأولى بالإضافة الى طاقات بشرية مرتفعة توفر لكل منهم اليد العاملة الرخيصة للصناعة والجند الكثيف لشن الحروب. فبالإضافة الى تنافس المستعمرين القدماء فيما بينهم وأطماع كل منهم فيما بيد الآخرين من مستعمرات وأسواق كان الألمان واليابانيون والايطاليون يرون "المجال الحيوي" لاحتكاراتهم في التوسعفي أراضي جيرانهم في أوربا وآسيا وفي تكوين امبراطورية استعمارية على حساب الإمبراطوريات الإستعمارية القديمة: ان قيام عصر الإحتكار الرأسمالي ترافق مع الإنتهاء من إقتسام العالم بين المستعمرين القدماء بحيث أصبح للإنجليز امبراطورية مستعمرات لا تغرب الشمس عنها، وللفرنسيين مستعمرات مجموع مساحتها سدس اليابسة، وللروس إمبراطورية تمتد على أواسط آسيا وشمالها وشرقيها حتى المحيط الهادي، وللبلجيكيين والهولنديين والبرتغاليين مستعمرات تبلغ مساحتها مئات المرات مساحة بلادهم. أما الإحتكاريون الأميركان فكانوا في أواخر القرن الماضي وأوائل هذا القرن منهمكين في إتمام "عملية إبادة الهنود الحمر" في بلدهم الولايات المتحدة والإستيلاء على مرابعهم، ثم مد هيمنتهم على بقية أرجاء القارة الأميركية بالحلول مكان المستعمرين الأوربيين ولكن بشكل جديد للإستعمار يتخلص باستبدال الإحتلال العسكري المباشر بتنصيب حكومة محلية عميلة في كل بلد من هذه القارة تأتمر بأوامرهم تحت غطاء من الإستقلال المزيف. وكان أحد رؤسائهم، وهو مونرو،  قد أعلن منذ العشرينات من القرن التاسع عشر مبدأ ينص على عدم  تدخل الأوربيين في شؤون القارة الأميركية والأميركيين في شؤون القارة الأوربية، فكان هذا المبدأ الأساس الذي قام عليه عزل تلك القارة عن العالم لتنفرد الولايات المتحدة بالهيمنة عليها ثم يقوم احتكاريوها بتجاربهم وممارساتهم هناك خلال عشرات السنين لبناء وتطوير ذلك الشكل للإستعمار، الشكل الذي عمموه على العالم عندما أتيحت لهم فرصة ذلك في أعقاب الحرب العالمية الثانية.

ان الجرمن في أواسط أوربا، في ألمانيا والنمسا، كانوا من حيث العدد يساوون مجموع سكان فرنسا وإنجلترة، فكان لهم مع تقدمهم الصناعي، وخاصة في مجالات إنتاج الفولاذ والمحركات على أنواعها والكيمياء الصناعية ووسائل النقل والأسلحة، طاقة كبيرة على خوض الحروب ضد غرمائهم الاحتكاريين الآخرين. يقول مثلا النائب العام الأميركي في مذكرته المقدمة الى محكمة نورمبرغ في 12 تشرين الثاني عام 1945 أثناء محاكمة النازيين في وصف كروب أحد كبار الإحتكاريين الألمان ما يلي: " ان أربعة أجيال من عائلة كروب أدارت وتملكت المشاريع الكبيرة لإنتاج الأسلحة والذخائر التي كانت تشكل المنبع الأساسي للتسلح الألماني. فهذه العائلةظلت عهودا طويلة وكرا ورمزا لقوى الشر التي هددت أمن أوربا (أي أن الاحتكاريين الأميركان واللإنجليزوالفرنسيين الذين يقومون في هذا المشهد بدور قضاة الإحتكار الألماني بقولها: "ان مؤسسة كروب هي التي كان يطلق عليها اسم "دار صناعة أسلحة الرايخ" بالاضافة الى اهتماماتها الأخرى في صناعة الحديد والفولاذ وما يتفرع عنها مثل السكك الحديدية والقطارات والمحركات الثقيلة وغيرها. وبينما كان عدد عمال هذه المؤسسة عام 1902 نحو ثلاثة وأربعين ألف عامل أصبح عشية الحرب العالمية الأولى عام 1914 أكثر من مائة وخمسين ألف عامل، أي تضاعف خلال عقد واحد بنسبة تفوق الثلاثة الى واحد". وهذا مجرد مثال نسوقه لاعطاء فكرة عن الاحتكارات العملاقة التي قامت في المانيا منذ اوائل مرحلة الاحتكار في النظام الرأسمالي العالمي. أما الدولة الاحتكارية الاخرى في أقصى الشرق الأسيوي، أما اليابان، التي كان من المفروض والأشبه أن تؤول الى ماصار اليه جيرانها فتصبح في ذلك النظام الرأسمالي العالمي مستعمرة لدولة اوربية أو شبه مستعمرة يتداولها بالنفوذ مختلف المستعمرين الاوربيين، فقد اتبعت في تكونها دولة صناعية استعمارية طريقا فرضته ظروف التنافس الاستعماري في منطقتها الجغرافية. فبريطانيا، في عهد وزيرها الشهير بالمرستون (الذي أدار شؤونها الخارجية طوال أربعة عقود من عهدها الفكتوري الذي استشرى فيه استعمارها فبلغ أوجه) كان لها سياسة ثابتة تتلخص بالعمل الدؤوب على ابعاد كل من فرانسا وروسيا عن عالم مستعمراتها ومنعهمها من "مضايقة" نشاطها الاستعماري في العالم، وخاصة منه ذلك الذي كانت تقوم به في قارتي الثروات الاسطورية آسيا وأفريقيا، وذلك تحت شعار "سلامة الطريق الى الهند". وكانت تمارس سياسة التوازن فتشجع نمو قوى تقف في مواجهة قوى أخرى هنا وهناك في العالم. ففي أوربا شجعت كما رأينا سابقا الوحدة الألمانية لتوازن بها فرانسا من جهة ولتهدد بها أيضا روسيا الزاحفة بلا كلل نحو البوسفور وطريق الهند. أما في الشرق الأقصى فقد وجدت في اليابان الحليف الجيد الذي يصد مطامع الروس والفرنسيين في القارة الصينية: فقد رأينا مثلا أن فرانسا غزت الهند الصينية في الوقت الذي توضعت فيه على طريق الهند بفتح قناة السويس في مطلع النصف الثاني من القرن التاسع عشر؛ وفي هذه الأثناء كان الروس يتوسعون في أواسط آسيا غير بعيد عن حدود الهند الشمالية، وكانوا من جهة أخرى يوطدون استعمارهم في مناطق شمال الصين فبنوا خط حديد عبر سيبريا من تشليابنسك الى فلاديفوستوك (التي جعلوا منها قاعد بحرية) في أعوام 1895-1904، وأخذوا فرعا من هذا الخط الى قلعة بور أرثور التي سبق ان احتلوها مع مقاطعة منشوريا الصينية. وكانت النتيجة أن قامت اليابان بتشجيع وتحريض من بريطانيا التي ساعدتها على بناء قواتها العسكرية البرية والبحرية على الأسس العصرية الحديثة بالهجوم على مواقع الروس في الشرق الأقصى وصد نشاطهم التوسعي هناك بعد أن أوقعت بهم هزيمة ساحقة في حرب 1904-1905. وقد أخذت الاحتكارية اليابانية بعد هذا النصر العسكري الكبير بالنمو والتكامل وهي تستند في تطورها هذا على عاملين أساسيين أولهما اليد العاملة الرخيصة جدا وثانيهما نهب المواد الأولية الضرورية لصناعتها من البلاد المجاورة بعد غزوها واحتلال أراضيها. فالجزر اليابانية غنية بالنحاس والكبريت ولكنها فقيرة بالمواد الأولية الأساسية كالحديد والفحم والبترول وغيره. ثم ان غزو أراضي الجوار يفتح لها عندهم أسواقا واسعة ولكنه يجعلها من جهة أخرى في تنافس وحروب اقتصادية لانهاية لها مع الاحتكاريين الأوربيين والأميركان وخاصة منهم الانجليز الذين فعلوا كل مابوسعهم لتحديث الصناعة فيها وتحديث قواها العسكرية. ثم انتهى الأمر كما نعلم الى أن غدت اليابان أول ضحية للسلاح النووي الأنجلوسكسوني.

ان بالامكان اعطاء صورة للجانب الرئيسي من الأحوال العالمية في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين بالمقتطفات التاية من بحث بعنوان المانيا في الموسوعة بريتانيكا: "..اعتمد مستشار الرايخ برنار فون بولاو في سياسته الداخلية على ميكل وزير المالية منذ عام 1891، وهو بروسي وراديكالي سابق كانت له صداقة مع كارل ماركس. فعمل هذا الوزير على احياء التحالف بين المزارعين البروسيين اليونكرز وبين الصناعيين القوميين الوحدويين الجرمن الذي كان قائما في عهد بسمرك (وحدة كل الجرمن او البانجرمانسم شعار كان القوميون الألمان يرفعونه لالحاق كل أرض يتكلم أهلها الألمانية في الدول المجاورة بالامبراطورية الألمانية وبالتالي التوسع في هذه الدول والسيطرة عليها. ومن التطبيقات العملية لهذا الشعار احتلال تشيكوسلوفاكيا برمتها من قبل الجيوش النازية بحجة تحرير السوديت الذين يتكلمون الألمانية وضمهم الى الوطن الأم المانيا: من عندنا)... وذلك باتباع سياسة مالية تحابي اليونكرز المزارعين النبلاء.. ان مساهمة بولاو كانت في مجال "السياسة العالمية" باتباع سياسة القوة في الخارج (السياسة الامبريالية: من عندنا) لاهمال الاصلاحات وطمس التناقضات الداخلية (أو بالأحرى للاستجابة الى رغبات الاحتكاريين الألمان: من عندنا)... وبفضل الحديد والفولاذ أصبحت المانيا أقوى قوة صناعية في البر الأوربي وماكان هناك مايقف في وجه سيطرتها على القارة لو انها اتبعت سياسة خارجية حذرة (كما فعلت الولايات المتحدة الأميركية في أعقاب الحرب العالمية الثانية: من عندنا).. كانت سياسة المستشار بولاو تتلخص بعبارة "اليد الطليقة" التي تجعل من المانيا غير مقيدة بتحالفات خارجية ماعدا تحالفها مع محميتها الامبراطورية النمسوية - الهنغارية.. وكان هدف هذا المشتسارالمستشار تجنب الانجراف الى صراع الشرق الأقصى بين روسيا وبريطانيا العظمى. وكان يرفض باستمرار طلبات بريطانيا بالتحالف كالتي حملها جوزيف تشمبرلن في آذار عام 1898 ولورد لانسداون في ربيع 1901. وكان غرض بريطانيا من هذه الطلبات دفع الألمان للصراع في اوربا مع الروس والفرنسيين لالهائهم عن التعرض لاستثماراتها في الشرق الأقصى، وذلك دون أن تقدم أي دعم مادي لأولئك الألمان في هذه المهمة المطلوب تأديتها من قبلهم.. ثم اتى تخطيط بناء قوة بحرية المانية كبيرة في أول الأمر بقانون عام 1898 وتقررهذا البناء بكل تفاصيله بقانون عام 1900، فكان لهذا الأمر أثره السلبي الكبير على العلاقات بين بريطانيا العظمى (سيدة البحار) وبين المانيا (الدولة الفتية الناشئة). وكان من وراء السياسة البحرية الألمانية ومحركها الأميرال الفرد فون تيربتز وزير البحرية منذ عام 1897. ويتلخص وجود هذه السياسة بالعمل على بناء اسطول حربي كبير لألمانيا. وقد برر تيربتز سياسته هذه بعدد من الحجج. فكان يقول مثلا في بعض الظروف ان بريطانيا لن تخاطر بخوض صراع مع بحرية المانية في الوقت الذي كانت فيه على علاقات سيئة مع روسيا وفرانسا حتى لو كانت هذه البحرية اصغر من بحريتها. وفي ظروف اخرى كان يدعو الىالاستعداد لمعركة فاصلة مع الاسطول البريطاني. ولكن تيربتز كان يعتقد في أعماقه كآخرين من أمثاله بأن "البحرية العظيمة هي في أساس العظمة الامبريالية".. ولقد لعبت المشاريع البحرية دورا حاسما في السياسة الداخلية لألمانيا. ففي عام 1897 عندما بدت مخططاتها الأولى كانت الصناعة الألمانية تمر بفترة هبوط فكان من أول الدوافع الى بناء "البحرية القوية" توفير طلب ثابت على الحديد والفولاذ على حساب دافعي الضرائب..". انتهى قول بريتانيكا. وقد مر معنا في الحلقة السابقة أن ألمانيا كانت قد وطدت نفوذها في السلطنة العثمانية ، لا سيما بعد الإنقلاب الذي قام به القوميون الأتراك (جون ترك) وأخذهم زمام الحكم عام 1908 بعد خلع الساطان عبد الحميد. وقام الألمان بمد خط حديد برلين بغداد الذي رأت فيه بريطانيا تهديدا خطيرا لمصالحها يشبه ذلك التهديد الذي قام بحفر قناة السويس من قبل الفرنسيين. فهذا الخط الذي يربط الدولة العثمانية مباشرة بالامبراطورية الألمانية يذهب رأسا الى قلب منطقة النفط في العراق وايران. وهو يمر في شبه جزبرة البلقان التي تتنافس روسيا القيصرية والامبراطورية النمسوية محمية ألمانيا على اعتبارها في المدى الحيوي لكل منهما. وفي واقع الأمر انطلقت منها الشرارة التي أشعلت نيران الحرب العالمية الأولى. ثم ان الألمان كانوا يؤيدون البوير في جنوب أفريقيا ضد الإنجليز. فاذا أضفنا الى كل هذه الأمور ما كان بين نظامي فرانسا وألمانيا من ثارات  قديمة لا سيما منها ما تسبب عن الحرب السبعينية وعن ضم مقاطعتي الألزاس واللورين الى ألمانيا بعد أن كانتا فرنسيتين، وأضفنا غيره من الأمور المساعدة كأزمة أغادير مثلا التي قامت على أثر احتلال فرانسا للمغرب العربي بين هذه الدولة والامبراطورية الألمانية، حصلنا على جملة الأسباب التي أدت الى قيام كتلتين في أوربا تواجه الواحدة منهما الأخرى وتنتظران الشرارة لتشعل نار الحرب بينهما: كتلة الحلفاء وتتألف أساسيا من انجلتر وفرنسا وروسيا القيصرية وكتلة حلف الوسط وتتألف من ألمانيا والنمسا وايطاليا. ولكن ايطاليا انحازت عند اشتعال الحرب الى الكتلة الأولى وحلت محلها في حلف الوسط الدولة العثمانية. وقد أتت تلك الشرارة التي أشعلت الحرب العالمية الأولى باغتيال ولي النمسا في 28حزيران عام 1914 في سيراييغو عاصمة البوسنة التي كانت تعدها صربيا من أراضيها.

الخداع الإنجليزي

 

ان الاحتكارات في مختلف الدول الرأسمالية ما كانت بطبيعة الحال في ضخامتها وسطوتها في كل دولة من هذه الدول لتقل عن منافساتها العملاقة في الدول الأخرى، الأمر الذي يبين بوضوح الحجم الهائل للصراع بين هذه الكائنات التي كانت (وما تزال) تتسابق الى نهب ثروات العالم، ويشير أيضا الى عالمية هذا الصراع: قلنا أعلاه أن قيام عصر الإحتكار الرأسمالي ترافق مع الإنتهاء من اقتسام العالم بين المستعمرين القدماء وبالتالي فان الصراع بين تلك الإحتكارات ذات المصالح العالمية لا بد من أن يأخذ شكلا له أبعاد عالمية، لابد من أن يتناول الأسس التي يقوم عليها النظام الرأسمالي العالمي الذي يحكم جملة المجتمعات الانسانية.ثم ان الثورة العلمية - الصناعية في عصر الإحتكار وضعت بيد الإحتكاريين وسائل إنتاج جبارة لا تقارن أبدا بوسائل أيام التنافس الرأسمالي الحر وما قبلها، وهي بهذه الصفات تجعل من التعاون والتكامل بين محتلف قطاعات الإنتاج في كل بلد في العالم وبين مختلف الأمم ضرورة ملحة. ولكن المستعمرين الإحتكاريين بطبيعتهم وطبيعة نظامهم العالمي لا يستطيعون الا الركض وراء الأرباح والسعي الى تحقيقها بإبعاد منافسيهم من طريقهم بكل وسيلة فهم بالتالي أعداء ألداء للتعاون والتكامل الايجابيين اللذين تعرضا الوسائل التي بأيديهم. إنهم يجهضون التعاون والتكامل بين البشر لصالح إقطاعات إحتكارية متنافسة يتكامل الإنتاج في كل منها جزئيا ويستعبد المنتج وتنهب حقوق وثروات الأضعف من قبل الأقوى من الناس على طول سلاسل العلاقات المختلفة بينهم. وفي النتيجة نجد أن تنافس تلك الكائنات الإحتكارية العملاقة فيما بينها يؤدي بالضرورة الى الفوضى العامة في النظام الرأسمالي الإحتكاري، الفوضى الشديدة الإتساع والتفرع بحيث يستحيل توفر أية وسيلة لايقافها الا بإزالة النظام من جذوره. فتقع لذلك الأزمات الحادة المتلاحقة التي تسحق بثقلها الرهيب سواد البشر. وبهذا يضاف الى تناقض الرأسماليين فيما بين بعضهم والبعض الآخر تناقضهم وتعارضهم جميعا مع كافة الناس في الجملة الإنسانية الأمر الذي يشدد من أزمات هذه الجملة ويزيد في قيام مختلف أشكال معارضة نظامها العام وفي اشتعال الثورات ضده وضد مختلف امتداداته وفروعه هنا وهناك في العالم. وتستمر الأحوال في التفاقم على هذه الأسس في كل الإتجاهات دون عودة الى الوراء أبدا. ثم ان أزمة النظام في فرع من فروعه لا تعني سوى فساد العلاقات التي يفرضها هذا النظام في ناحية مناسبة من نواحي الجملة الإنسانية وضرورة استبدال هذه العلاقات بغيرها تتلاءم مع الواقع. أما أزمة النظام العامة فتعني بالضرورة فساد علاقات الجملة بكليتها وضرورة انتقالها الى الطور الأعلى بنظامه الملائم لواقعه المادي والروحي وذلك عبر مرحلة انتقال تطول وتقصر بحسب الظروف الموضوعية ولكنها بصورة عامة تتجه نحو القصر بتقدم الأطوار الإنسانية: كانت مثلا مرحلة الانتقال من طور المشاعة البدائية الى طور الرق طويلة جدا تقاس بالعديد من عشرات القرون فأصبحت من طور الرق الى الطور الإسلامي تقاس بعدد من القرون. ونجد بناء على كل الأسس الآنفة الذكر أن جملة المجتمعات الإنسانية التي ارتبطت مجتمعاتها بعضها ببعضها الآخر في الثلث الأخير من القرن الماضي بعلاقات النظام الرأسمالي الإحتكاري المعارضة تماما لظروفها المادية والروحية هوت في أزمتها العامة التي فجرت الحرب العالمية الأولى. وفي هذه الحرب اشتعلت ثورة أكتوبر في روسيا القيصرية وخرج بنتيجتها ما مساحته سدس اليابسة من النظام الرأسمالي الذي عجز تماما عن احتواء الجملة الإنسانية بشكله الإحتكاري . فبدأت بذلك مرحلة انتقال هذه الجملة الى الطور الأعلى، طور النظام الإشتراكي العالمي. وقد بقي في هذه المرحلة ضمن حدود النظام الرأسمالي الإحتكاري عالم واسع غني بثرواته وتجاربه المريرة هو عالم المستعبدين الثائرين. ومن الطبيعي أن لا تتوقف ثورة هذا العالم الا بنهاية هذا النظام الذي فعل ويفعل أصحابه كل ما بوسعهم لتثبيته وإدامته. وكان في مقدمة ما هيؤوه من تدابير لحمايته إقامة القاعدة إسرائيل في أخطر مناطقه، في قلب عالمه فلسطين، لعرقلة بناء الدولة العربية الموحدة الكبرى التي سيكون قيامها بدءا لعهد خلاص الإنسانية النهائي من قهر الرأسمالية الإحتكارية.

ان تطور الأمور منذ خلع السلطان عبد الحميد ومجيئ القوميين الأتراك الى الحكم حتى دخول الدولة العثمانية الحرب العالمية الأولى الى جانب ألمانيا وانتشار المستشارين الألمان بكثرة لم يسبق لها مثيل في مختلف إدارات هذه الدولة لا سيما منها جيشها، هذا التطور تجاوز بأخطاره على الإمبراطورية البريطانية كل ما سبق من أخطار نجمت عن الحروب والنشاطات الإستعمارية الأخرى للفرنسيين والروس على مشارف الطريق الى الهند طوال عهود الإستعمار. فالحلف الألماني التركي جعل من الدولة العثمانية محمية ألمانية بحيث بدأ كختام "للمسألة الشرقية" في صالح الإستعمار الألماني المتطلع حينذاك الى إقامة امبراطورية استعمارية عالمية تحل مكان الإمبراطوريتين البريطانية والفرنسية. أما الإنجليز والفرنسيون والروس فقد ردوا على محاولة الألمان ابتلاع تلك الدولة المسلمة لقمة واحدة بالمبادرة فور اندلاع نيران الحرب الى إطلاق كل ما دبروه طوال دوام المسألة الشرقية من مخططات استعمارية وكل ما بخدمتهم من قوى اجتماعية فيها للعمل على تحطيمها وتقاسم أشلائها فيما بينهم. هنا لابد من الإشارة الى الأمر التالي: ان يقظة القوميات في القرن التاسع عشر في أقطار الإسلام لم توحد المسلمين للوقوف صفا واحدا في وجه المستعمرين ليستخلصوا منهم حقوقهم وينقذوا من براثنهم ثرواتهم ويحرروا إنسانهم ويستأنفوا مسيرة التقدم المادي والروحي التي أوقفها الاستعمار الأوربي . فالقومية لم تؤخذ بمفهومها الايجابي الذي صاغه الإسلام بأجمل وأكمل صيغة تبرز بديهية اختلاف الشعوب والجماعات وبالتالي ضرورة تعارفها وتكاملها وتكافلها فلا تتسابق وتتنافس الا بالسيرة الحسنة والأعمال النافعة سعيا نحو الحياة الأفضل على الأرض ودفعا للشر والشقاء، وذلك كما ورد في الآية الكريمة التالية من سورة الحجرات:

"يا أيها الناس انا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا

أن أكرمكم عند الله أتقاكم ان الله عليم خبير".

وكما ورد بالحديث النبوي الشريف المتفق عليه:

"الناس عيال الله، أكرمهم عند الله أنفعهم لعياله".

نقول ان القومية لم تؤخذ بهذا المفهوم الايجابي وانما بالمفهوم السلبي الذي وصل بوحشيته عند الأوربيين الى درجة إبادة الأقوام والأجناس لنهب ثرواتها. أخذت بالمفهوم الحيواني المنحط الذي يزكي العداوة بين الأقوام والذي كان نبينا عليه السلام يشدد في الأمر بتجنبه ويصفه بالدعوة المنتنة. فقام مثلا القوميون الأتراك بمحاولة "تتريك" العرب وبقية الأقوام الأخرى في الدولة العثمانية. وكان من الطبيعي أن يرد العرب وأن يبالغوا بالرد. وكانت (وما تزال) دسائس المستعمرين وثقافاتهم مع جاهلية المسلمين بكل أمراضها تزكي نار التفرقة في صفوف الأمة الإسلامية، في الوقت الذي هي فيه رازحة تحت أثقال نظام عبودي عالمي هو النظام الرأسمالي الإحتكاري الذي لا خلاص منه ومن أمراضه الا بالثورة ضده وإعلان الجهاد القائم على المفهوم الإسلامي الآنف الذكر للقومية الذي يوحد المسلمين وكل الناس الشرفاء في ساحات الكفاح. وهذا يعني بوضوح عودة المسلمين الى التقاليد الثورية لسلسلة التوحيد التي طالما مر ذكرها معنا في هذه الدراسة والتي اختتمها الإسلام بثورته العظمى على العبودية، الثورة التي كرست فرض عين على كل مسلم وواجبا على كل إنسان شريف مدى الدهر ما ترددت العبودية بمختلف أشكالها على الناس. ان تتريك العرب ماكان حلا لمشاكل اخوتهم المسلمين الأتراك في الدولة العثمانية، تماما كما لم يكن الزي الغربي حلا لمشاكل هؤلاء الأتراك وخلاصا لهم من أنياب غيلان العبودية الرأسمالية الاحتكارية. وبعد، لنعد الى سياق البحث الذي نحن بصدده فنقول ان الإنجليز والفرنسيين والروس انتهزوا ظروف الحرب ليعملوا عند قيامها على تفكيك الدولة العثمانية واقتسامها. وكان للانجليز وضع متميز في تلك الظروف نوجزه بما يلي:

حمل الفرنسيون والروس معظم أعباء القتال في البر الأوربي لتعرض اراضي بلديهما مباشرة للهجمات الخطيرة للجيوش الألمانية. فزجوا لذلك عمليا كل ماتوفر لديهم من قوات في المتروبول وفي المستعمرات في ميادين القتال الاوربية. أما انجلترة سيدة البحار حينذاك فان اساطيلها حمت جزرها وجعلتها بعيدة المنال على جيوش الألمان فتمكنت من تحويل قوات كبيرة برية وبحرية من قواتها الى ميادين القتال في كل من سورية الطبيعية والعراق، الولايتين العثمانيتين، والى مضائق القسطنطينية. فأخذت بهذا الدور الرئيسي في معالجة مسألة اقتسام الدولة العثمانية. وكانت هذه المعالجة بالتالي في صالها على حساب حقوق العرب والمسلمين الآخرين المقهورين وعلى حساب أطماع المستعمرين الآخرين الفرنسيين والروس وكان الصدع الواسع العميق الحاصل في جبهة المسلمين بنتيجة دعوة التتريك التي قام بها القوميون الأتراك والدعوة المعاكسة لها عند العرب فائدة كبيرة للحلفاء في تآمرهم لتمزيق الدولة العثمانية واقتسامها. وقد قلنا اعلاه ان أولئك المستعمرين مع الصهاينة اليهود حرضوا وساعدوا على هذا الانشقاق في صفوف المسلمين زمنا طويلا قبل الحرب التي ماان ابتدأت حتى هرعوا جميعا: انجليز وفرنسيون وروس، لاستخدام مختلف الأنصار والقوى الاجتماعية الملائمة في تفسيخ تلك الدولة المسلمة تحت شعار تحرير مختلف قومياتها من "ظلم القوميين الأتراك". فنقرأ مثلا في مذكرات المرحوم عوني عبد الهادي ان الأديب الماروني شكري غانم، رئيس تحرير جريدة المستقبل التي كانت تصدرها المخابرات الفرنسية باللغة العربية في باريز، جند بعض الطلبة العرب في جامعات فرانسا الذين انقطعت عنهم معونات أهلهم بسبب الحرب للعمل مع المخابرات المذكورة ضد الدولة العثمانية. وكانت فرانسا قد شجعت انشاء "الجمعية العربية الفتاة" في باربز عام 1911، كما رعت المؤتمر العربي الذي انعقد في باريز عام 1913 واتخذ مقررات دعت الى انصاف العرب. أما الانجليز الذين كانت لهم كما قلنا القيادة العليا السياسية والعسكرية في منطقة الشرق الأدنى فقد عملوا في ثلاثة اتجاهات متناقضة تعطل بعضها بعضا ليقع في براثنهم اكبر مغنم:

الاتجاه الأول: كان البريطانيون منذ عهد طويل قبل القرن العشرين يبسطون نفوذهم الاستعماري على جميع ارجاء الجزيرة العربية عدا الديار المقدسة التي تركوا الاشراف عليها للخليفة التركي الذي وقع تحت نفوذهم ايضا قبل مجيئ الألمان لينازعوهم هذا النفوذ. وقد اطلق اللورد كرزون، نائب الملك في الهند في مطلع هذا القرن ووزير الخارجية فيما بعد، اسم "الهند العربية" على بلاد العرب. فمنذ النصف الأول من القرن التاسع عشر مثلا احتل الانجليز عدن مع كل المشيخات التي تؤلف اليوم اليمن الجنوبي. وقبل هذا تسللوا الى عمان وسيطروا عليها (عدا عمان الداخلية وعاصمتها نزوى التي كانت فيها الامامة) ثم ارتبطت عام 1880 مشيخة البحرين مع الانجليز بمعاهدة حماية. وقامت معاهدة صداقة عام 1899 تحولت عام 1901 الى حماية بريطانية لامارة الكويت. وامتدت اصابع الانجليز ودسائسهم الى الامارات العربية ونجد الخ... وكان نظام الادارة في الحجاز يقوم على الارتباط بالدولة العثمانية التي كانت تسمي لامارة مكة المكرمة رجلا من الاسرة الهاشمية. فبعد خلع السلطان عبد الحميد مثلا ولي الشريف حسين الامارة المذكورة.

كان المعارضون العرب للسلطات العثمانية يلتجئون الى مصر الواقعة تحت الاحتلال البريطاني. وقد تأسس في هذا القطر منذ عام 1922 حزب اللامركزية العثماني بتشجيع من بريطانيا. وفي شهر آب 1914 بينما كان فيصل وعبد الله مارين بالقاهرة اتصل بهما ممثل بريطانيا وبحث معهما موقف والدهما الحسين في حال اشتراك تركيا بالحرب الى جانب الماني، وكانت الحرب قد اعلنت في اوربا في أوائل الشهر المذكور. وقد حملهما هذا الممثل البريطاني كتابا الى والدهما جاء فيه ان حكومة جلالته تشكر أمير الحجاز على حسن ادارته للديار المقدسة وعنايته بالحجاج وهي لاترى مانعا من اعادة الخلافة الى العرب... وبعد عدد من الاتصالات بين الحسين والانجليز من جهة وبينه وبين زعماء المعارضة من جهة اخرى تم في الرابع عشر من تموز عام 1915 اتصال بين شريف مكة وبين مكماهون المقيم العام البريطاني في مصر. واستمرت المفاوضات السرية التي مان يديرها فيصل والى جانبه بعض القادة العرب القوميينحتى كانون الثاني من عام 1916 حيث تم التوصل الى اتفاق بين شريف مكة وبين المقيم العام البريطاني في مصر مكماهون تعترف بموجبه بريطانيا بدولة عربية مستقلة تشمل كلا من سوريا الطبيعية والعراق والحجاز وبقية الجزيرة العربية مع عدم مس الإتفاقات والمعاهدات المعقودة مع أمراء وسلاطين العرب هناك، وعدم مس المصالح الفرنسية أيضا في أراضي هذه الدولة . أي أنه كان اتفاقا من النموذج الإنجليزي يجد فيه كل ذي مصلحة مصلحته المناقضة لمصالح الأطراف الأخرى وفي محصلنه لاتوجد الا المصالح البريطانية . وفي المقابل يقوم شريف مكة بإعلان الثورة ضد الدولة العثمانية ويدخل الحرب الى جانب الحلفاء، كما يقوم العرب بتفتيت الجيش العثماني بسحب العناصر العربية منه وإلحاقها بالقوات الشريفيةذا من الأمور المشابهة.

الاتجاه الثاني: قام الإنجليز والفرنسيون بعقد اتفاق "سايكس- بيكو" السري الذي الذي اشتهر على أثر ثورة أكتوبر عندما فضحته السلطات الشيوعية التي قلبت الحكم الرأسمالي الإحتكاري في روسيا. وهذا الإتفاق الذي يناقض على خط مستقيم تعهدات بريطانيا للشريف حسين والعرب بالإعتراف والمساعدة على تأسيس الدولة العربية المستقلة قد وقع في لندن في الخامس عشر من أيار عام 1916 ليطلق "الرصاصة الأولى" لثورته ضد الدولة العثمانية تنفيذا لاتفاقه الآنف الذكر مع البريطانيين. وبموجب اتفاق سايكس- بيكو المذكور تتقاسم الدولتان الإنجليزية والفرنسية أراضي تلك الدولة العربية التي وعد الإنجليز أمير مكة حسين بن علي بمساعدته على تحقيق قيامها. وكانت حصة بريطانيا في ذلك التقسيم تتضمن المناطق المتحكمة بطريق الهند، الطريق الأسطوري الذي يتردد على الدوام في هذه الدراسة: خلجان السويس والعقبة والبصرة . ولكن اتفاقية سايكس- بيكو عدلت لصالح بريطانيا عندما اقتسم الحلفاء غنائم الحرب فلم تنل فرانسا من أراضي الدولة العثمانية سوى جزء من سورية الطبيعية يشكل حاليا دولتي لبنان وسورية، بينما غطت غنائم بريطانيا طرق الهند ومناطق النفط.

الاتجاه الثالث: ان الصهاينة اليهود كانوا دوما يراهنون على الأنجلو سكسون في كسب الصراع الإستعماري العالمي منذ أن توطد نظام الإحتكار في العالم في مطلع القرن العشرين. ولكنهم لم يقطعوا مع القوى الإستعمارية الصاعدة التي كانت ألمانيا الفتية تأتي في مقدمتها. فكان مثلا مقر المنظمة الصهيونية العالمية اليهودية في برلين عاصمة الحكومة صاحبة النفوذ الأول في السلطنة العثمانية والقريبة من روسيا التي تحكم ملايين الخزر المتهودين الذين يشكلون الإحتياطي الأول والأضخم للقوى البشرية في الحركة الصهيونية اليهودية. وعندما فشلت ألمانيا في كسب الحرب بضربة خاطفة أسرع اليهود بنقل مقر المنظمة الصهيونية الى كوبنهاغن، ثم لم يطل الأمر كثيرا كي ينتقل الزعيم الجديد لهذه المنظمة وايزمن الى لندن حيث قام بتنسيق نشاطه الصهيوني مع زميله برانديس زعيم صهاينة الولايات المتحدة الأميركية والصديق الحميم لرئيسها ويلسون وعضو المحكمة العليا فيها. وبهذا التقت صهيونيتان: صهيونية اليهود وصهيونية الأنجلو سكسون الذين برزوا منذ ذلك الحين كأسياد للنظام العالمي للاحتكار والإستعمار. وكان الانجليز، الذين حصرهم السلطان صلاح الدين الأيوبي على رمال عكا حيث اختنقوا هناك وفشلت حملتهم للسيطرة على طريق الثروات العالمية، طريق حيرام- سليمان- بلقيس، يخوضون الحرب العالمية الأولى فتمام سيطرتهم على مدخل هذا الطريق باحتلال فلسطين بعد أن احتلوا مصر وعملوا على بسط نفوذهم وقواعدهم على طول امتداده في البلاد العربية طوال القرنين السابقين. وكان هدفهم في هذه المرة لا يقف عند احتلال القطر المذكور فلسطين وإنما انتزاعه من أيدي المسلمين والعرب وإسكان جنس غريب فيه من الخزر المتهودين يحولونه الى قاعدة دائمة لحماية الطريق الآنف الذكر عماد امبراطوريتهم الإستعمارية، ولمنع قيام أي كيان عربي عليه أو بقربه. ففي عام 1916، بينما كانت قوات الشريف حسين تقاتل الى جانب القوات البريطانية القوات العثمانية لإجلائها عما بقي من البلاد العربية في دولة الخلافة أعدت وزارة الخارجية البريطانية مذكرة سرية تدعو الى الإتصال بالصهاينة اليهود بأسرع وقت للإتفاق معهم على إنشاء وطن قومي لهم في فلسطين. وتقول تلك المذكرة: "عندما يشتد ساعد اليهود في فلسطين الى الحد الذي يصبحون عنده أندادا للعرب فإنهم سيأخذون عندئذ بايديهم شؤون هذه المنطقة..". وهكذا في قمة الجهد الذي كان العرب يبذلونه في مساعدة الإنجليز على تصفية أعدائهم العثمانيين لقاء وعودهم بالمساعدة على قيام دولتهم العربية وانتقال الخلافة اليهم كان هؤلاء الانجليز منهمكين في إعداد الترتيبات لتوطيد استعمارهم في للمنطقة العربية بإقامة قاعدة يهودية لهم في فلسطين قلب تلك الدولة العربية الموعودة. وفي الثاني من تشرين الثاني عام 1917 قام بلفور وزير الخارجية البريطانية بتوجيه رسالة الى زعيم الصهيونية اليهودية في بريطانيا روتشلد جاء فيها أن الحكومة البريطانية ستعمل على إنشاء "وطن قومي" لليهود في فلسطين.

ان وعد بلفور, بالإضافة الى تناقضه الصارخ مع وعود مكماهون للشريف حسين، لا ينسجم أيضا مع اتفاقية سايكس- بيكو المعقودة مع الفرنسيين. ولكن الإنجليز كانوا يعتمدون على ما سيكون على أرض الواقع عند نهاية الحرب "فيفصلوا الأمور على مقاس أطماعهم. وكانوا يعتمدون أيضا على دعم أبناء عمومتهم الأميركان الذين كانوا ينتظرون وراثتهم عندما يحين الأوان وينتهي أجل استعمارهم القديم. وقد وقعت الكارثة بالمسلمين بسقوط دار خلافتهم بأيدي الأعداء الذين بادروا فورا الى وضع مخططهم موضع التنفيذ، وعملوا جاهدين على تهويد فلسطين من اليوم الأول الذي تدنست هذه الأرض المقدسة بوطء أقدامهم المشؤومة.