العسكرية الصهيونية

بعد حرب تشرين

 

 

الفريق عفيف البزري

 

1981 ميلادي- 1402 هجري

 


العقيدة الإسرائيليّة

إن العقيدة العسكرية الإسرائيلية تتفرع عن الأفكار الأساسية التي قامت عليها إسرائيل كقاعدة تخدم المستعمرين وتحرس مصالحهم في المنطقة العربية*. وذلك بإقامة استعمار استيطاني في فلسطين يسلب أهل هذا البلد كل حقوقهم الإنسانية التي تأتي في مقدمتها حقهم الأساسي في العيش على أرض وطنهم. ويتوسّع في الأراضي العربية المجاورة في كل فرصة سانحة*[1]. إنها الأفكار التي قامت على الدوافع العدوانية وعاشت وتطورت في عمليات "الاقتحام" المستمرة لما وراء كل حد بلغة الاغتصاب الصهيوني. ولكن من المؤسف أن تلك العقيدة العدوانية في كل أطوارها التي بلوناها وجدت في ظروف أمتنا أرضا واقعية بررتها عند أصحابها:إصرار رجعياتنا على اختلافها على الارتباط بالمستعمرين (لا سيما منهم الأميركان) وخدمة أغراضهم، وانتهاء الثورات عندنا بالإجهاض من قبل الانتهازيين والجهلة، وعلى الأخص من قبل الذين اندسوا فيها وشاركوا أحيانا في قيادتها لمصلحة الاستعمار الحديث ضد الاستعمار القديم، ولعجز وفشل من تقدموا صفوف من أرادوا التحرر وجاهدوا بصدق من أجله في الاهتداء إلى مذهب أصيل يقوم على أفكار تنير لهم دروب الخلاص فبقوا يتخبطون في أوهام وطوبيات لا توصلهم إلى شيء إن لم تؤدّ بهم إلى أحضان المستعمرين الأميركان، أو "يتعيّشون" على فضلات ثورات قتمت في ماضي الزمان وفي أماكن أخرى وفي أماكن أخرى من العالم في ظروف تختلف كليا عن ظروف أمتنا.

 

ولنحاول فيما يلي بيان مرتكزات العقيدة الإسرائيلية مع مختلف الأطوار التي مرت بها

 

1- تقوم الهوية الإسرائيلية (بحسب العقيدة الصهيونية وليس نتيجة التاريخ الواقعي) على تراكم من الغيبيات تزوّر إيديولوجية لأعمال مادية قام ويقوم بها الاستعمار العالمي لبناء وتطوير مستعمرة استيطانية في فلسطين بأشتات من الأجناس تقع تحت وطأة ظروف موضوعية مناسبة، وذلك للقيام بوظيفة محددة في مرحلة الاحتكار من النظام الرأسمالي العالمي. فظروف التمييز العنصري والتعصّب الديني التي رافقت على الدوام نشوء وتقدم الطور الرأسمالي العالمي في مختلف مراحله هيأت المناخ المناسب في مختلف الفئات اليهودية الأوروبية لانتشار الإيديولوجية الغيبية للحركة الصهيونية. فقادة هذه الحركة منذ قيام الاحتكارية الرأسمالية العالمية في أواخر القرن التاسع عشر اختاروا طريق الإفادة من الأوضاع البائسة لليهود الأوروبيين ليجندوهم في خدمة الاحتكارية الرأسمالية الصاعدة. وكان أولئك القادة أنفسهم كآل روتشلد ومنتفيوري وساسون وغيرهم من الصيارفة ورجال الأعمال الصهاينة، من وراء تلك المرحلة من الطور الرأسمالي*[2].وليس في هذا الأمر أية غرابة أو جدة، فعلى مدار التاريخ الإنساني كان الوانيين يجدون دوما ما هم بحاجة إليه من مرتزقة من شتى الأوساط الإنسانية. وكانت دوما دوافع الارتزاق واحدة: تنافر المرتزق مح محيطه الاجتماعي لأسباب مختلفة. إلا أن الارتزاق في الحركة الصهيونية أخذ على مر الأيام وبنتيجة التنظيم والملاحقة الدائبة (التي كانت تدفع إليها الظروف والحاجات الملحّة للمخططات الاستعمارية) مقاييس ضخمة تجسدت بحركة كتل بشرية كبيرة (مشابهة وموازية لحركة تلك الكتل البشرية الأخرى التي استعمرت واستوطنت أميركا وجنوب أفريقيا وأستراليا وغيرها).

 

وبرزت في النتيجة في النظام الاحتكاري العالمي التشكيلة التالية:

 

أ- دولة قاعدة في فلسطين للاحتكارية الأميركية-الصهيونية*[3] وتحيط بهذه الدولة منظومة من القواعد العسكرية مع مختلف القوى العدوانية الإمبريالية بحيث يتشكل في المجموع جهاز عسكري استعماري في منطقة الاحتياطي العالمي للنفط.

 

ب- تجمعات يهودية تحتضن أوساطا صهيونية في بلاد الرأسمالية المتقدمة (لا سيما منها الولايات المتحدة الأميركية). وتوجه هذه الأوساط مؤسسات صهيونية تشارك في ذات الوقت مشاركة عضوية في قيادة النظام الاحتكاري الرأسمالي العالمي. ويقوم تناغم بين الأوساط الصهيونية في البلاد الرأسمالية المتقدمة وبين الدولة القاعدة إسرائيل لخدمة الاستعمار بشكل عام وخدمة كبار الصهاينة بشكل خاص بين مجموعة الاحتكاريين قادة النظام الإمبريالي العالمي. وخلال هذا الأمر تلحق الفائدة المادية بالبيروقراطية القائدة في إسرائيل وبطغمة وسطاء الاحتكارات العالمية هناك.

 

ج- يهود أوروبا الشرقية الذين يشكلون التجمع الأصلي لليهود الخزر (الإشكنازيم) والذين كانوا وما يزالون هدف الصهيونية لتجعل منهم المادة الأساسية لمجتمع الاستعمار الاستيطاني في فلسطين، وذلك للأسباب التالية:

 

- إن الإشكنازيم يشكلون أكبر الجماعات اليهودية من حيث التعداد: بحسب الموسوعة بريتانيكا كان تعداد الإشكنازيم في العالم سنة 1960 عشرة ملايين، منهم خمسة ملايين يقطنون الولايات المتحدة الأميركية، وثلاثة منهم في الاتحاد السوفييتي. أما تعداد بقية اليهود من سفارديم وعريب وسود وغيرهم فأقل من ثلاثة ملايين.

 

- إن الصهيونية لا تركز على التجمعات اليهودية في البلاد الرأسمالية المتقدّمة، وعلى الأخص منها أميركا، لدفع أفرادها إلى الهجرة إلى فلسطين لأنها بحاجة إليها في هذه البلاد كوسيط لمختلف أنواع نشاطها الهادفة إلى حفظ نفوذها هناك (إلى إثبات وجودها): تعزز إسرائيل مكانة الصهاينة الاحتكاريين بين الاحتكاريين الآخرين، وتعمل في ذات الوقت التجمعات الصهيونية في بلاد الإمبرياليين بما لها هناك من مؤسسات وعلاقات مختلفة على صيانة وتطوير علاقة الإمبريالية العالمية بإسرائيل كقاعدة تنهال عليها شتى المساعدات العسكرية والاقتصادية والسياسية.

 

- إن التجمعات اليهودية في أوروبا الشرقية لا تفيد الصهيونية العالمية كفائدتها في البلاد الإمبريالية. فقبل ثورة أكتوبر في روسيا كان المرابون الصهاينة يقيمون قواعدهم في البلاد الرأسمالية المتقدمة في أوروبا الغربية، بينما كانت أوروبا الشرقية كبقية العالم المتخلّف لا تفيدهم إلا بكونها تشكل ميدانا من ميادين الاستغلال الرأسمالي الإمبريالي في العالم، أما بعد ثورة أكتوبر فإن أولئك المرابين ليس لهم بطبيعة الحال أي وجود في هذه المنطقة من العالم، وبالتالي فإن التجمعات اليهودية فيها لا تفيدهم في الحالتين المذكورتين إلا في الذهاب إلى فلسطين "لتركيب" ذلك المجتمع الاستعماري الاستيطاني. وفي الواقع نجد أن التركيز على يهود أوروبا الشرقية لتسهيل انتقال أكبر عدد ممكن منهم إلى فلسطين كان دوما بشدة إصرار الصهاينة على جعل هذا القطر العربي قاعدة من قواعد الإمبريالية الرأسمالية، وبشدة سعيهم أيضا في توطيد نفوذهم في بلاد الإمبرياليين (وخاصة في الولايات المتحدة الأميركية). إن مساعي هرتزل مثلا للحصول على فلسطين كمهجر للصهاينة كانت تسير بالتوازي مع مساعيه للحصول على كتل المهاجرين من يهود روسيا القيصرية. واليوم يترافق سعي الصهاينة لإتمام عملية هجرة يهود أوروبا الشرقية إلى فلسطين مع مساعيهم المحمومة لمضاعفة الدعم الأميركي لإسرائيل، هذا الدعم الذي لا تنقصه على كل حال الضخامة.

 

في إطار هذه التشكيلة قامت هوية إسرائيل التي لم يطرأ على جوهرها أي تغير في كل التجارب التي مرت بها هذه القاعدة العدوانية، وإن تكاملت عبر هذه التجارب في إطار تقدم مختلف العلاقات الداخلية والخارجية للتشكيلة المذكورة. ولكن الرأسمالية في مرحلتها الاحتكارية إذ طورت في نظامها العالمي هذه التشكيلة بين تشكيلاتها العدوانية الأخرى لم تستطع تبرئتها من التناقضات العميقة التي تأخذ جذورها في نظامها المذكور بالذات. فبؤرتها إسرائيل تكونت فيها بيروقراطية لا تتفق دوما مصالحها مع مصالح الاحتكاريين الإمبرياليين ولا تسير باستمرار على خطوها، وبين أولئك الإمبرياليين الاحتكاريين الصهاينة مع الأوساط التي يرعونها في البلاد الرأسمالية المتقدمة (وعلى الأخص منها الولايات المتحدة الأميركية)، فقوى إسرائيل العسكرية مثلا مع القوى العسكرية الإمبريالية الأخرى التي تساندها إذ تشكل "قوادم" العنوان (الريش القوي في أجنحة العدوان وذيوله) لا تصلح ولا تكفي لكل المهام الإمبريالية ولا بد لها من "الخوافي" المساعدة (صفار الريش وكثيره) المتمثلة بمختلف الرجعيات العربية العميلة والانتهازيات الدجالة التي لا بد من دعمها بالوسائل اللازمة لتقف كخط دفاع أولي وأساسي في المنظومة العدوانية في منطقتنا. ولكن وسائل الدعم تلك وخطوط الدفاع هذه قد تنقلب بتطورات الظروف المحلية والعالمية لتشكل دعما للثورة وأرتال هجوم على النظام الإمبريالي في وطننا بدءا من قاعدته الأولى إسرائيل. لذلك وجدنا الصهاينة مثلا يفعلون كل ما بوسعهم لعرقلة توريد الأسلحة المتقدمة الأميركية إلى مصر في وقت يستسلم فيه السادات للعدو بدون قيد أو شرط. وكذلك عارضت إسرائيل بشدة. تزويد السعودية بالطيران الأميركي المتطور الذي يمكن أن يصل مداه إلى الأجواء الفلسطينية. ثم إن إسرائيل تقوم من آن إلى آخر بأعمال عدوانية لا تنسجم دوما مع المخطط العدواني العام للإمبريالية الاحتكارية العالمية. فكثيرا ما تتعدى إسرائيل حدود وظيفتها في النظام الإمبريالي العالمي بدافع من مصالحها المحلية الخاصة فتسبب الفوضى والتشويش في هذا النظام وتُلحق الضرر بمصالح الإمبرياليين (ومن جملتهم الاحتكاريون الصهاينة) مع أن مهمتها حماية هذه المصالح، فتقع إذن الخلافات بينها وبينهم حتى يبلغ عمق الخلاف درجة ينقسم فيها الصهاينة أنفسهم في تشكيلتهم العالمية الآنفة الذكر على بعضهم بعضا: صهاينة إسرائيل ضد صهاينة أميركا أو غيرهم من صهاينة العالم. وقد اشتدت هذه الخلافات بعد حرب تشرين 1972 بشكل ملحوظ، فصرنا نرى عددا من التيارات المتعارضة بشدة في الحركة الصهيونية العالمية. وتنعكس هذه التناقضات على الكيان الإسرائيلي الذي لا تظهر فيه التناقضات الحادة فقط، بل تبدو فيه أيضا بوادر التفسخ فتنقسم فيه الأحزاب وتتكاثر فيه الفئات ويصل الضرر إلى مؤسسته العسكرية.

 

- نشرت جريدة معاريف*[4] في سياق المناقشات التي قامت بعد تعيين الجنرال تال قائدا للقوات البرية مقالا تحت عنوان "تعديلات واسعة" قالت فيه:" في صيف 1973 بادر رئيس الأركان الجنرال دافيد أليعازر إلى إدخال تعديلات واسعة على رئاسة الأركان.. وبعد الحرب كان هناك من عزا نتائج حرب الغفران إلى هذه التغييرات.. فبعد مرور ست سنوات على حرب يوم الغفران تواصل القيادة العامة دفع ثمن ضعفها السريع الذي نجم عن التعيينات قبل وقتها، وضرورة تقفيز بعض الضباط إلى مناصب كبيرة قبل أن يكونوا جاهزين لذلك عن طريق إشغالهم مناصب أخرى، فالخبرات القصيرة والترقيات السريعة فعلت فعلها.."

 

- وكتب المحرر العسكري ميليشتاين مقالا تحت عنوان " صراع الجنرالات" في جريدة دافار*[5] قال فيه :"إن إعادة الجنرال تال إلى زعامة القيادة النظامية للجيش الإسرائيلي وإمكانية تعيينه كرئيس للأركان قد أثارت هزّة أرضية لأنها قطعت خيط البالماخ من القيادة العليا وأبعدت إمكانية تعيين أول ضابط تجنّد في الجيش الإسرائيلي بمنصب رئيس الأركان. إن قرار وزير الدفاع بإعادة تال إلى الخدمة يهدف إلأى عدم إبقاء الجيش تحت سيطرة الضباط الذين تخرّجوا على يد أرئيل شارون. وإزاء هذا الوضع سيجد معظم قادة الجيش الإسرائيلي صعوبة في البقاء في الجيش.. كانت العلاقات بين تال ومردخاي غور سيئة للغاية. وكانا يتبادلان الشتائم ووصل التوتّر إلى ذروته خلال الانتقاد الشديد الذي وجهه تال للأسلوب الذي تم فيه التخطيط لعملية "الليطاني" (الإغارة الإسرائيلية على جنوب لبنان في آذار عام 1978).. في النقاش الأخير حطّم غور مبادئ اللعبة ووجه اتهامات شخصية ليست لها علاقة بالجدل العقائدي أو المهني بينه وبين تال.."

 

1- إن انتقادات برونو كرايسكي وغولدمان خارج إسرائيل، وانتقادات دايان وعزرا وايزمن داخل إسرائيل، لسياسة مناحيم بيغن معروفة وشهيرة.

 

2- إن العدو الأول لإسرائيل هو بطبيعة الحال، الشعب الفلسطيني صاحب الأرض التي قامت عليها إسرائيل بالاغتصاب. وهذا الشعب هو جزء من الأمة العربية التي يستقر في أرض وطنها أكبر احتياطي للنفط في العالم، عدا الثروات الأخرى والقيم المنتجة بأيدي الملايين من أبنائها، وعدا الموقع الذي لا مثيل له لأرض وطنها الذي يشكل أهم مفترق طرق عالمية في الأرض. وقد سُلبت فلسطين وزُرعت إسرائيل فيها في ظروف تمزق أمتنا واقتسامها بين المستعمرين، ثم في مرحلة القيام من كبوتها ولم تستكمل بعد قواها ووحدتها.

 

لم تسمح أوضاع العالم العربي المعقدة وظروفه السيئة بقيام الدعوة الثورية الأصلية للقطع نهائيا مع الشبكة العالمية للرأسمالية والتحرر بالتالي من ربقة الاستعمار. وقد تنازع أمتنا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية خليط من الرجعيين والجهلة والانتهازيين وأشباههم فبقيت لذلك على ما نشاهده فيها حاليا من انقسام وتشتت.. وفي التباين الشديد بين مختلف المذاهب التي تتحكم بمصائر أقطار وطننا يستحيل قيام استراتيجية متماسكة. أما " تضامن المتنافرين". التضامن العربي الهش، الفارغ من كل أساس واقعي، فإنه لم يمنع تتالي مسلسل الكوارث التي نزلت بنا لسبب بسيط هو أن هذا "التضامن" في واقع الأمر ليس إلا وسيلة أولئك الذين يريدون السكوت على إدامة الارتباط بمن أنزل بنا تلك الكوارث، وبالتالي فإنه لم يعط في ميزان القوى بيننا وبين العدو الصهيوني أية نتيجة إيجابية لطرفنا في أي وقت من الأوقات. ولا يقف الأمر عند هذا الحد، فالقوى العسكرية المتوفرة في كل قطر مبددة على الدوام في أوجه لا علاقة لها بالكفاح من اجل بلوغ غاياتنا في التحرر والوحدة والمنعة. كما تفاقمت ظروفنا السيئة في أعقاب حرب 1973 بدلا من أن تتحسن. فخرجت مصر من خندق المواجهة مع العدو بخيانة السادات وتواطؤ نظامه مع المستعمرين الأميركان. وتفجرت الأوضاع في لبنان وقام الانعزاليون الطائفيون بإشغال قوى هامة من الجيش العربي السوري ومن قوى الثورة الفلسطينية والقوى الوطنية اللبنانية. ثم أتت ثالثة الأثافي بانشغال الجيش العراقي في الحرب الإيرانية بدلا من أن يعوض بعض الشيء تجميد الجيش المصري. أما بقية العرب فهم بين بعيد جغرافيا عن ميدان المعركة الرئيسي حول فلسطين، وبين مرتبط بالمستعمرين بتسليحه وذخيرته وقطع غياره.

 

ولكن جماهير الأمة العربية من جهة أخرى بقيت على العموم سليمة فسارت مع الزمن واستفادت من تجاربها الفنية فتصاعد وعيها وبرز فيها المفكرون والمثقفون والمهرة في شتى فروع المعرفة والعلم ومختلف الفنون والاختصاصات التي منها الفن العسكري. فتجربة عام 1972، سيما منها عبور القناة وتحطيم خط بارليف المتحكّم فيها، مع شتى معارك المدفعية والمدفعية المضادة على أنواعها والمعارك الجوية ومعارك المشاة والمغاوير في سوريا ومصر أثبتت بما لا يدع أي مجال للشك بأن الجندي العربي (نموذج الإنسان العربي) يتمتع بكفاءة عالية في إدارة واستعمال كل أنواع الأسلحة الحديثة واستخدام التقنية المتطورة. وإن جماع هذه الأمور يتضمن كل العناصر الكافية لدعوة ثورية تمارس كل أنواع الكفاح اللازمة للقطع نهائيا مع النظام الإمبريالي العالمي وتحقيق مطامحنا القومية. وهذا ما يتحسّب له الاستعمار ويفزع منه الصهاينة فيعدّون لمنعه كل ما بوسعهم من قوى ومجهضات ومعوقات. وقد أعدوا لذلك:

 

أولا: العسكرية الإسرائيلية.

ثانيا: بقية جهازهم العدواني المنتشر في منطقتنا: كالقوى العسكرية وقواعدها وأجهزة ومؤسسات التجسس والتخريب، والرجعيات والعملاء الخ.. وسنحاول فيما يلي من البحث إعطاء صورة عن العسكرية الإسرائيلية الحالية.

 

3- لا يمكن أن تكون الأهداف العامة للسياسة الإسرائيلية مناقضة لوظيفتها في النظام الاحتكاري العالمي وهي: المساعدة على "ضبط " العالم العربي كي لا يقطع مع الشبكة الاحتكارية العالمية فيخسر المستعمرون بنتيجة هذا القطع ميدانا لا مثيل له (لاصطياد) الثروات (لاسيما منها الثروات البترولية الهائلة مع ما تكونه من حجوم نقدية عظيمة) في مثل هذا الوضع من الطبيعي أن يبقى العالم العربي في حالة غليان ثوري دائمة، ولا بد من ممارسات القهر المتنوعة التي تأتي في مقدمتها حملات العدوان العسكرية التي لا تنتهي سلسلتها والتي تمارسها إسرائيل ضد أمتنا لحساب المستعمرين "لحصر" الغليان المذكور ومنعه من أن يؤدي بأمتنا إلى القطع مع النظام الرأسمالي العالمي. والحجة الملائمة لإدامة سلسلة حملات العدوان، هي: أمن إسرائيل وحدودها التي لا تنتهي من التقدم في الأراضي العربية. وبالتالي العدوان لتحريك الحدود في كل مرة في أعماق أراضينا إلى مواقع جديدة "تحمي" بزعم المعتدي مواقعها القديمة. ومن هنا تأتي الحروب "الوقائية" كنمط أساسي في العقيدة العسكرية الإسرائيلية، وهي في الواقع لا تهدف إلا " للتوقي" من ثورة عربية قائمة فيطلب إخمادها بعدوان عسكري. أو لإجهاض ثور تعتمل وتتجمع عناصرها لتشتعل عندما لا تفيد في محاولة إجهاضها الجهود الأخرى للمستعمرين. وهذا إلى جانب الحملات المستمرة على تجمعات الشعب الفلسطيني في الوطن المحتل او في البلاد العربية المجاورة، الحملات التي تصون أو تصمد حالة التوتر الدائم في المنطقة العربية حول إسرائيل. وعلى هذا الأساس يبني الصهاينة بمساعدة المستعمرين جهاز عدوان عسكري يستفحل باستمرار ليرجح دوما أمام التطورات العسكرية العربية: إن سلاح الدبابات الإسرائيلية مثلا تطور من 27 دبابة في عام 1948 إلى 450 دبابة في عام 1956 وإلى ثلاثة آلاف دبابة عام 1978.

 

4- إن المعسكر الاشتراكي وفي مقدمته الاتحاد السوفييت يشكل إحدى القوتين العالميتين المناهضتين للنظام الرأسمالي العالمي : قوته وقوة التقدم الثورية في العالم الثالث المقهور. فهنالك إذن في الأساس وحدة مصالح ووحدة هدف بين هاتين القوتين العالميتين من مصلحتهما موازنة الإمبريالية الرأسمالية ومحاصرتها بالتالي لمنعها من إيقاف انحسارها المستمر بفعل ثورات التحرر وفعل التقدم في كل المجالات الاجتماعية والفكرية والتقنية في العالم أجمع، وهدفها القضاء على نظامها العالمي المخزي. وبما أن الاحتكاريين (وخاصة منهم الأميركان) يقيمون سياساتهم العدوانية على ادعاءاتهم بأن لهم "مصالح" في بلاد الغير متجاوزين بهذا حقوق سيادة الآخرين على بلادهم ومصائرهم، ثم يفرضون بناء على هذه الادعاءات حدودا عدوانية لنظام إمبريالي "يبتلع" أمما برمتها، هي امم العالم الثالث. نقول: بما أن الاحتكاريين يفرضون تلك " المصالح" أو "المواقع الإمبريالية" فإن نقيضتيهم: قوة الثورة في العالم المقهور وقوة المعسكر الاشتراكي، تضعان كرد فعل طبيعي أمام تلك الحدود العدوانية لمصالح المستعمرين المزعومة خطوط المقاومة الثورية للعالم الثالث مدعمة سياسيا واقتصاديا وعسكريا (بمختلف الأشكال المناسبة للظروف والأوضاع المحلية والعالمية) من قبل النظام الاشتراكي. ولكن الاتحاد السوفييتي كدولة عظمى في هذا العصر الذي لا تزال "الدول العظمى" قائمة فيه، له بداهة مصالح ( وإن لم تشبه تلك المصالح الإمبريالية للدول الاستعمارية) فإنها لا يمكن أن تلائم على الدوام جميع حركات التقدم في هذا العالم المعقد المتناقض. وهو يتخذ من التعايش السلمي بين الأنظمة المختلفة في العالم أساسا لسياسته في كل الظروف والأحوال التي تصادفه. فتراه يأخذه في حسبانه في كل تصرفاته ومن الطبيعي أن تجد كل الأمور المذكورة أعلاه انعكاساتها على المعسكرين المتناقضين المتكافئين بالقوى: معسكر الاشتراكية ومعسكر الإمبريالية، فيقوم بينهما في النتيجة خط تماس عام لا يتمكن كل منهما من تجاوزه دون المخاطرة بإشعال حرب عالمية نووية مدمرة. وهذا الوضع في العالم لا يوقف الحياة في النظام الاستعماري العالمي، فتندلع لذلك فيه نيران الثورات من وقت إلى آخر في هذا المكان أو ذاك. كما لا يمنع العلاقات الطبيعية المتعارف عليها بين الدول التي من جملتها إمكان تقديم مختلف المساعدات السياسية والاقتصادية والعسكرية من دولة إلى أخرى، أو من دولة إلى منظمة ثورية. إلا أن الذي يجب أن لا ننساه هو أن الكفاح ضد الظلم هو من حق وواجب المظلوم، وليس من واجبات الاتحاد السوفييتي بأي حال من الأحوال أن يقوم به نيابة عن كل من وقع عليه عدوان الإمبرياليين.

 

وفي إطار ما سبق تقوم العلاقات بين الاتحاد السوفييتي والدول الاشتراكية الأخرى وبين بعض الأقطار العربية مع منظمة التحرير الفلسطينية. ومن أهم نتائج هذه العلاقات الدعم المادي الذي تحصل عليه هذه الأقطار من هذه المجموعة الاشتراكية. وفي مقدمته الدعم العسكري. فالاتحاد السوفييتي وحلفاؤه يشكلون المصدر الوحيد والمضمون لأسلحتنا الكلاسيكية بكل أنواعها المتطورة مع الخبرات اللازمة لها. والهام في هذه العلاقة بين العرب والمعسكر الاشتراكي هو أنها لا تخضع لمؤثرات وضغوط الصهيونية العالمية كما هو الحال في علاقات بعض أقطارنا مع بلاد الإمبرياليين. وقد مر معنا مثلا كيف أن إسرائيل ضغطت على حكومة الولايات المتحدة عبر الأجهزة الصهيونية هناك لمنع تزويد مصر والسعودية ببعض أنواع الأسلحة الأميركية. وهنالك أمثلة عديدة أخرى منها مساعي إسرائيل لعرقلة تقدم التقنية النووية في البلاد العربية بمساعدة بعض الدول الرأسمالية كفرنسا. وقد نجحت هذه المساعي في تأخير تزويد العراق بمؤسسة نووية بضع سنسن.

 

5- يبقى الوضع الجغرافي ملائما للعرب على العموم (من حيث العمق الستراتيجي) وذلك على الرغم من التوسع الذي حصلت عليه إسرائيل في حرب 1967، وبالإمكان رؤية المسارح التالية للعمليات فيه:

 

المسرح اللبناني:

تتحكّم فيه الكتل الجبلية والأراضي الوعرة والمساحات المغطّاة بالأشجار الكثيفة وبالمزروعات المزدهرة. وفيه بالنسبة للمهاجم من فلسطين المحتلّة محورا عمليات يسهل الدفاع عنهما عند توفر الوسائل والتصميم على المقاومة:

المحور الأول:

ينطلق من المظلّة عبر وادي التيم إلى مجدل عنجر حيث يتفرع إلى ثلاثة فروع: فرع إلى دمشق. وآخر إلى بعلبك فحمص، وثالث إلى بيروت.

المحور الثاني:

ينطلق من الناقورة مرافقا الساحل حتى اللاذقية، وتتفرع منه من آن إلى آخر طرق تؤدي إلى المرتفعات الجبلية أو إلى الداخل فيما وراء سلاسل الجبال المطلة على ساحل البحر الأبيض المتوسط. ومن أهم هذه الطرق العرضانية: طريق صور- تبنين- بنت جبيل، طريق صيدا- مرجعيون، طريق بيروت-دمشق، طريق طرابلس- حمص، طريق اللاذقية- حلب.

 

وفي الحرب العالمية الثانية تمكن الفرنسيون الفيشيون من إيقاف الزحف البريطاني على المحورين الآنفي الذكر عند مرجعيون والدامور بقوات ضئيلة نسبيا وكبّدوا البريطانيين خسائر فادحة. ولكن الذي يُضعف مواقع الرب في هذا المسرح الفئات الانعزالية التي ظهرت في أعقاب حرب 1973 وحطّمت الوحدة الوطنية اللبنانية. فهؤلاء الانعزاليون يحتلون مواقع متحكّمة في مؤخرات القوات العربية، فيتمكنون بالتالي من تشكيل تهديد خطير لمواصلات هذه القوات، وذلك بالاستعانة بإسرائيل والأسطول السادس الأميركي للحصول على ما يلزمهم من إمدادات بالمعدات والأسلحة ( ومن إمدادات بقوات محمولة جوا وبحرا عند اللزوم).

 

المسرح السوري:

يتعادل الطرفان فيه بالميزات الجغرافية: الطرف المهاجم من فلسطين المحتلة والطرف المدافع في سوريا، وبالعكس. ولكن الطرف السوري متفوق عند الأخذ بالحسبان الأعماق الستراتيجية العربية (في حرب طويلة يخوضها العرب بتصميم وبوسائل كافية في سوريا والأردن والعراق والجزيرة العربية).

 

ويتشكل الجنوب السوري المتاخم لفلسطين المحتلة من "الحوضة الدمشقية" التي تختضنها الجبال التالية: الحرمون، لبنان الشرقية، القلمون، التدمرية. فتشكل (الحوضة) نصف سطح قطع مكافئ ينفتح على الشرق والجنوب. ويقوم في منتصف هذا السطح جبل العرب الذي تحيط به من الغرب والجنوب الغربي وعرة اللجاة التي تليها وعرة الزاكية (الممتدة بدورها إلى هضبة الجولان) ومن الشرق وعرة الصفاء الممتدة إلى الحماد. ويصعب على الآليات سلوك هذه الوعرات، إلا أن الحوضة المشقية قابلة على العموم لكل أشكال العمليات: الهجوم والدفاع مع الحركة بالآليات بكل أنواعها، فهي تتضمن المواقع المنيعة، والمساحات الواسعة المغطاة بالمزروعات الكثيفة، والأراضي الوعرة، والمرتفعات الصعبة، وطرق المواصلات، والأراضي السهلة، والمدن، والقرى الخ..

 

وهناك ثلاثة محاور لتقدم الهاجم الآتي من فلسطين المحتلة إلى الحوضة الدمشقية:

المحور الأول:

القنيطرة- دمشق.

المحورالثاني:

جسر الجامع- إربد- درعا- دمشق.

المحور الثالث:

المطلة- راشيا الوادي- مجدل عنجر- دمشق (مع الأخذ بالحسبان منفذ راشيا الوادي- دير العشاير- ميسلون، أو راشيا الوادي- كفر قوق- قطنا).

 

ويتمكن المدافع في هذه الحوضة من تدمير العدو المهاجم عندما تتوفر لديه القوى اللازمة التي هي محصلة القيادة ومعنويات المقاتلين وسوية تدريبهم ووسائلهم المادية وظروفهم. وعلينا أن نلاحظ استحالة إغلاق الحوضة الدمشقية على أعماقها الستراتيجية العربية بينما يمكن إغلاقها على العدو المهاجم عند توفر الوسائل والتصميم لدى المدافع، وبالتالي إبادته إبادة تامة.

 

المسرح الأردني:

إنه أخطر مسرح في الاتجاهين: على إسرائيل في حالة تصميم العرب وإعدادهم ما يلزم لضربها الضربة القاصمة، وعلى العرب عند تركهم المبادرة بيد العدو ليأخذ كما اعتاد كل قطر من أقطارهم بمفرده، وهو أطول المسارح حول إسرائيل فيعجز الأردن تماما عن أن يقوم بمفرده بسده بقواه العسكرية فقط.

 

يبلغ طول الخط الممتد من العقبة إلى الحمة، الفاصل بين الأرض العربية الأردنية وبين الأرض العربية المحتلة، نحو 360 كم [6]* وهو يتألف من الأقسام التي تمر في الأغوار شمالي البحر الميت. وفي هذا البحر، وأخيرا في وادي العرابة الانهدامي المنتهي بالعقبة. وتسير الارتفاعات بالهبوط تدريجيا في الأغوار الشمالية على هذا الخط من 212 مترا تحت سطح البحر في طبريا إلى 387 مترا تحت سطح البحر في بحيرة لوط. ثم تتزايد تدريجيا في أغوار وادي العرابة حتى تبلغ سطح البحر في ميناء العقبة. وتشرف من جهة الشرق على الأغوار سلاسل جبال تشكل على العموم أمامها حائطا متصلا من الحمة إلى العقبة، وهي الآتية:

 

- سلسلة جبال عجلون (جلعار) أمام الأغوار الشمالية بين طبريا ووادي الأزرق، وتتراوح ارتفاعات الذرى فيها بين 700-1500متر فوق سطح البحر.

- سلسلة جبال السلط بين وادي الأزرق وشمالي البحر الميت وتصل الذرى فيها إلى 1100 متر فوق سطح البحر.

- سلسلة جبال مؤاب أمام البحر الميت حيث تتراوح ارتفاعات الذرى بين 700-800 متر فوق سطح البحر.

- مرتفعات الطفيلة وتحاذي القسم الشمالي من وادي العرابة وتصل إلى 1200 متر فوق سطح البحر.

- سلسلة الشرا، وفيها البتراء على ارتفاع 110 متر فوق سطح البحر، كما تبلغ الذرى ارتفاعات 1600-1700 متر فوق سطح البحر.

- الكتلة الجبلية حول العقبة حتى سلسلة الشرا 1100-1500 متر فوق سطح البحر. وتتخلل هذه السلاسل وديان وعرة جدا ( لا سيما منها الجنوبية) أما كتلتا عجلون والسلط فمغطاتان بالغابات والمزروعات.

 

وهناك ثلاثة محاور تقدم أمام العدو المهاجم تقع كلها في شمالي البحر الميت، وذلك لأن العبور من فلسطين إلى شرقي وادي العرابة أو شرقي البحر الميت صعب جدا بالأرتال الآلية الكثيفة، وهي:

 

- محور أريحا- جسر اللنبي- السلط- عمّان.

- محور نابلس- جسر داميا- السلط- عمّان.

- محور جسر المجامع- إربد- الرمتا- عمّان أو دمشق.

 

وهي محاور صعبة بالإمكان الدفاع عنها بسهولة ( أو قطعها في مؤخرات العدو المهاجم) عند توفّر الوسائل والتصميم.

إن خطورة المسرح الأردني لا تكمن فقط في كونه يطل على "قلب إسرائيل" ( لا تبلغ المسافة الأفقية مثلا بين جسر المجامع وحيفا الستين كيلو مترا) وإنما تكمن على الأخص باتصال أرضه بأرض الضفة الغربية المعقل الحصين في مؤخرات المهاجم الإسرائيلي (عندما يحسن الجانب العربي الاستفادة من هذه الميزة ويعمل على تهيئة استغلالها بتقديم كل ما يلزم من دعم مادي للنضال الفلسطيني الذي تقوده منظمة التحرير الفلسطينية)*[7]

 

والمسرح الأردني (كالمسرحين السوري واللبناني) مفتوح على الأعماق الستراتيجية العربية، ولا يمكن أبدا إغلاقه عليها في الوقت الذي يمكن إغلاقه على العدو المهاجم ومحاصرته فيه. وهو يقدم الإمكانات لكل أنواع القتال: الهجوم والدفاع مع الحركة بالآليات الكثيفة. ثم إن هذا المسرح يتصل بمسرح هام ولكنه ساكن حتى الآن ويتألف من البحر الأحمر بممراته المائية وبالأراضي العربية التي تطل عليه وتتحكّم بطرقه. وقد ازداد سكونا بخروج القوة العسكرية المصرية من خندق المواجهة وبوقوع السواحل الصومالية بيد الإمبريالية الأميركية التي أقامت عليها قواعد عسكرية (قاعدة بربرة على خليج عدن).

 

المسرح المصري:

كان المسرح الرئيسي قبل قيام عملاء المخابرات الأميركية في مصر.

مجموع مسارح العمليات حول إسرائيل:

رأينا أعلاه أن الظرف الحالي للعرب غير مؤات لهم على الرغم من وفرة الأسلحة في أيديهم و "وفرة الأموال في خزائنهم". ولكن بالإمكان أن نأخذ بفرضية لا بد من أن ترد في حسابات العدو الصهيوني وهي: انقلاب ذلك الظرف بحيث يصبح بالإمكان حشد الطاقات العربية في كل من سوريا والعراق والأردن إلى جانب منظمة التحرير الفلسطينية مع قيام دعم عسكري ومالي من بقية الدول العربية (عدا مصر وهو أمر محزن) لخوض معركة ضد إسرائيل. ومن الطبيعي في هذه الحالة أن يأخذ قادة العدو في حساباتهم ما أدت إليه الدراسات الستراتيجية في جامعة تل أبيب لعام 1979 حول تغيرات ميزان القوى بين العرب وإسرائيل بعد حرب 1972، ومما ورد في هذه الدراسات العبارة التالية:" واجهت إسرائيل في حرب يوم الغفران إحدى عشر فرقة عربية وتواجه الآن من 17-18 فرقة عربية بينما صعد الجيش الإسرائيلي من 11-14 فرقة. وهناك 5100 دبابة تمتلكها دول معادية ( عدا مصر) مقابل 3500 دبابة إسرائيلية ( وفي عام 1972 كان هذا العدد 3000 دبابة) كما امتلكت الدول المعادية 515 طائرة حربية (عدا مصر) في عام 1973 وهي تمتلك الآن 980 طائرة بينما دخلت إسرائيل حرب 1973 بخمسمائة طائرة حربية ولديها الآن 550 طائرة حربية " وفي هذا الظرف لا بد للعدو الإسرائيلي من أن يعطي احتمالا كبيرا ليقظة العرب على أهمية الضفة الغربية في كل معركة معه:

أ‌-  في حالة قيام العرب بالمبادهة لاسترداد وطنهم فلسطين يمكن أن تتضمن خطتهم الأطوار التالية:

 

الطور الأول: القيام بعملية رئيسية وحاسمة وذلك بتركيز ثقل القوة العربية لاحتلال الضفة الغربية مع التركيز على القسم الشمالي منها بجعل اتجاه الهجوم على المحورين التاليين:

- محور نابلس طولكرم- حيفا . للتحكم بالسهل الساحلي الواقع بين حيفا ويافا والضفة الغربية، وإتمام فصل جنوبي فلسطين عن شمالها.

- محور نابلس- جنين. للإشراف على سهل بيسان- حيفا ( مرج ابن عامر)

وفي أثناء العمليات يقف ما يبقى من القوات العربية في بقية المسارح: سوريا ولبنان وما بقي من المسرح الأردني، في وضع التماس مع العدو لمشاغلته وصد أي هجوم يقوم به على الأراضي العربية.

 

الطور الثاني: الاشتباك مع القوات الإسرائيلية الرئيسية أينما وجدت بنتيجة تطور القتال وردود فعل القيادة الإسرائيلية: في سهل بيسان- حيفا، أو في السهل الساحلي المار ذكره، أو في الضفة الغربية ( فيتداخل عندئذ هذا الطور بالطور السابق) أو في الجليل، وتدميرها.

 

الطور الثالث: إتمام استرداد الوطن فلسطين بتقدم عام من كل الجبهات.

ب- في حالة قيام العدو بالمبادهة لتحطيم القوة العربية المتنامية والعمل على ضرب وحدتهم وتشتيت شملهم، يمكن أن يقدر العدو أن الخطة العربية هي العمل على إيقاف الهجوم ثم القيام بهجوم معاكس لمحاصرة قواته وإبادتها. وعند الانتهاء من هذه العمليات قد يستمر الهجوم العربي المعاكس باتجاه استرداد الضفة الغربية أيضا بالشكل المبين في البند السابق ( أ ).

وبديهي أن يستدعي التقدير السابق من قبل دراسات العدو للقوة العربية وحذر هذا العدو من أن يتكون لدى العرب في نهاية الأمر التصميم الراسخ للقطع نهائيا مع النظام الاحتكاري العالمي وبالتالي أن يهبوا لتحرير أرض وطنهم فلسطين (الصورة التي أوردناها أعلاه أو بصورة أخرى مناسبة) نقول من البديهي أن يستدعي مثل هذا التقدير إعدادا لقوات العدو على عقيدة عسكرية مناسبة.

 

6- إن العقيدة العسكرية الإسرائيلية كانت في سنين 1948-1973 لا تأخذ بالحسبان إلا الظروف الداخلية والخارجية التي كانت تحكم تصرفات وردود أفعال الأنظمة العربية في كل حالة كانت تقوم في تلك الفترة. ومن المعلوم أن معظم هذه الأنظمة في تلك الظروف كانت ( وما تزال بكل أسف) تعطي أذنا صاعية للمستعمرين فتعمل معهم بالتالي (عن قصد أو جهل) لتهيئة ظروف الهزيمة قبل كل معركة كنا نخوضها. وكان المستعمرون (وما يزالون) لا يسمحون للأنظمة العربية باقتناء سلاح يزيد عما يلزم لحفظ الارتباط بهم (أو بما يسمونه كذبا: حفظ (المن) من أن "تعبث" به يد "هدّامة" داخلية أو مجاورة). بل إنهم فرضوا علينا طيلة السنين التي كان الصهاينة فيها منهمكين في تدعيم أسس دولتهم في أرضنا المغتصبة حصارا يمنع ورود الأسلحة والذخائر الضرورية للدفاع عن بلادنا. وقد بلغ الأمر بنا بسبب ذلك الحصار أن اضطررنا في وقت من الأوقات إلى اللجوء إلى عرب البادية"لنجمع" ما عندهم من بنادق ورصاص لإمداد جيش الإنقاذ.[8]*. وذهب عسكريونا أيضا إلى الصحراء الليبية يبحثون فيها عن الذخائر التي خلفتها الحرب لصالح الجيش السوري وجيش الإنقاذ*.[9] وكان موجود الجيش السوري من رصاص البنادق والرشاشات عند البدء بمباحثات الهدنة الخاصة بالجبهة السورية لا يتعدى المائة والعشرين ألف طلقة!.. يعني ما يكفي لمعركة يخوضها جيشنا آنذاك لبضع دقائق فقط. وانتشرت لجان الشراء العربية في أطراف الأرض الأربعة تبحث عن كل ما هو عتيق وبالي ومتآكل بالصدأ من دبابات ومدافع ومختلف عربات القتال وغيره. وكثيرا ما كانت حكوماتنا تقع في تلك الأيام فريسة المحتالين في صفقات الأسلحة التي تعقدها. وقضايا الأسلحة الفاسدة في مصر وسوريا معروفة. وفي المقابل كانت الأبواب كلها مفتوحة للصهاينة يغترفون منها ما يشاؤون من أسلحة ومعدات. ودام الحال على هذا المنوال حتى كُسر احتكار السلاح الغربي بصفقات الأسلحة المصرية والسورية من الاتحاد السوفييتي والمعسكر الشرقي في عام 1955.

 

قلنا إن العقيدة العسكرية الإسرائيلية كانت لا تأخذ بالحسبان إلا ظروف الأنظمة العربية، مع أنها لو كانت حقا عقيدة دولة عادية لكانت أخذت بعين الاعتبار أمورا أخرى لا تقل عن هذا المر أهمية وخطورة. وأول هذه الأمور قيامها على القدرات الذاتية لصاحبها وليس على قدرات الآخرين، كالمستعمرين مثلا. ولا بد كذلك من التقيد الصارم بخواص الأسلحة المعاصرة وعلاقاتها التقنية والتعبوية (التكتيكية) بعضها ببعض, ويُضاف إلى هذه الأمور وغيرها إمكان تغير الظروف التي تحكم الخصم والوقوع في المفاجآت غير السارة. ففي العدوان الثلاثي في حسابها كونها تتحالف مع دولتين من الدول العظمى (إنكلترا وفرنسا) في تلك العملية، وأن تأخذ في حسابها أيضا عدم استكمال الجيش المصري في تلك الأيام لتنظيمه بعد تغيير تسلحه من الأسلحة البريطانية إلى الأسلحة السوفييتية. إلا أن هذين الظرفين العابرين على أهميتهما لا يمكن أن يكونا سببا للإصرار على تنظيم غير صحيح للوحدات المحاربة وعلى تعبئة هذه الوحدات تعبئة قاصرة في المعارك. ولننظر إلى أقوال موشه دايان عندما يتحدث عن حرب 1956 في مذكراته:" واجبنا هو العمل على الوصول لانهيار قوات العدو بأسرع وقت ممكن وفرض الهيمنة الكاملة على شبه جزيرة سيناء. ولهذا يجب على قواتنا الاندفاع إلى الأمام وعدم التوقف من أجل تطهير مواقع العدو. ولا حاجة للخوف من الوحدات المصرية من أن تقوم بهجوم مضاد أو أن تعمل على قطع خطوط إمدادنا. وعلينا أن نتجنب افتراض قيام الوحدات المصرية بالتصرف على النحو الذي تتصرف به الوحدات الأوروبية لو وُجدت في موقف مماثل*[10]. إننا نجد هذا الصهيوني يحاول إظهار جيشه وكأنه الوحيد في الميدان في هذه العبارة، فيغفل ثقل الدولتين العظميين إنكلترا وفرنسا المشتركتين في تلك الحرب، ويغفل عزلة المواقع المصرية بسبب انقطاعها عن مؤخراتها وتجميد احتياطيها لا سيما منه الفرقة المدرعة بالهجوم الضخم: الجوي والبحري والبري، الذي شنته الدولتان المذكورتان. ونجده في العبارة المذكورة ينتفخ ويستخف بالضحية استخفاف الخولي عند قيامه بتنفيذ أمر من أوامر سيده. وهو في الواقع ما كان إلا أداة استفزاز في تلك الحرب العدوانية لتنفيذ مؤامرة لئيمة تحقق إحدى خطوات الاحتكارية الأميركية في بناء إمبراطوريتها العالمية على أنقاض المستعمرين القدماء. ثم إن القائد العاقل يأخذ بكل جدية كل خصم ينازله حتى ولو كان من القبائل البدائية لأن الإنسان غير محروم من الذكاء والحيلة. فكيف إذا كان الخصم عربيا عريقا عراقة ألوف السنين في ممارسة الحروب الظافرة التي طالما صنعت التاريخ.. إن عبور المصريين للقناة*[11] خير جواب على صفاقة هذا الصهيوني الخزري المتمسّح بالأوروبيين. ولكن مثل هذه العبارة يكتبها بكل هدوء وترو في مذكراته من كان في قمة الهرم العسكري للعدو خير برهان على ما قلناه أعلاه وهو أن العقيدة العسكرية الإسرائيلية كانت لا تأخذ في الحسبان إلا ظروفنا كمكبلين بألف علاقة استعمارية.

7-   تنازعت تعبئة الدبابات للقتال ثلاثة اتجاهات في السنين الأولى لقيام إسرائيل*[12].

 

الأول: يرى دور الدبابات في مساندة وحدات المشاة الميكانيكية والمشاة المحمولة كبقية أسلحة المساندة كالمدفعية والهندسة. وبالتالي يكون هذا السلاح بإمرة القيادات التكتيكية للقيام بمهام محددة في نطاق مناورات المشاة أثناء القتال، وتعين حجمه (عدا الدبابات) بحسب المهمة الموكولة إليه. وعلى الأساس السابق يكون لهذا السلاح نوعان من الارتباطات:

- ارتباط فني بقيادة السلاح، وهو ارتباط دائم مع الحرب والسلم.

- ارتباط تعبوي وهو موقّت قد لا يدوم إلى أبعد من مهمة تكنيكية واحدة. وعلى أبعد مدة الصراع في مسرح يشكل وحدة جغرافية أو استرتيجية (أي مدة دوام مهمة عملياتية) واستثناء طيلة الحرب على أن تعود الدبابات إلى سلاحها في نهاية الأمر. كان كل من دايان ويادين من أنصار هذا الاتجاه الذي كان سائدا في فترة ما قبل إعادة تنظيم الجيشين السوري والمصري على أساس تسلحهما بالأسلحة السوفييتية. أي في ظروف الحصار الغربي لمنع وصول الأسلحة المتقدمة للجيوش العربية حتى كسر هذا الحصار من قبل كل من سوريا ومصر.

 

الثاني-*[13] يرى تكتيب الدبابات في تشكيلات مستقلة: كتائب وألوية. وأن تستخدم كما كانت تُستخدم تشكيلات الخيّالة في الحروب القديمة لزعزعة مقاومة الخصم في ساحة عمليات. والالتفاف جول مواقعه لقطع خطوط إمداداته والوصول إلى مؤخرته ومراكز قياداته، مع ترك الهجوم المباشر على جبهته للمشاة والمدفعية. وتجنب الاشتباك مع مدرعاته وترك مجابهتها للأسلحة المضادة (التي من جملتها الطيران) وذلك على غرار ما كان يجري في معارك الدبابات الألمانية-الإنكليزية أثناء الحرب العالمية الثانية في الشمال الإفريقي.

 

في هذا النظام تكون قيادة الدبابات ومهماتها في ساحة القتال عملياتية واستراتيجية على العموم،في الوقت الذي ترتبط فيه تقنيا بقيادة السلاح، كما هو الحال في الاتجاه الأول أعلاه، وكان كل من حاييم لاسكوف ويوري بن أري الذي التف حول موقع أبو عجيلة في حرب 1956 باللواء السابع من أنصار هذا الاتجاه، الذي يأخذ بعين الاعتبار خاصة الأثر النفسي للدبابة على الخصم أكثر من خواصها التقنية وإمكاناتها القتالية الأخرى (لا سيما أن مآثر هذه السلاح في الحرب العالمية الثانية كانت ما تزال حية في الأذهان في الأطوار الأولى من الصراع العربي-الإسرائيلي)*[14] ومما زاد في نفوذ أصحاب هذا الاتجاه دعم بن غوريون لهم في أيام توليه الحكم وتوليه منصب وزير الدفاع، فكان لا يبخل بكل جهد لتطوير هذا السلاح في الجيش الإسرائيلي. وكان من قبل قد تأثر من مشهد مناورات هذا الجيش في عام1953. ففي أحد أطوارها رأى الجنود الإسرائيليين يتركون أسلحتهم ويفرّون ذعرا أمام الدبابات التي كانت تمثل دور المهاجم لهم. مع أنهم كانوا يعرفون أن الأمر لا يتعدى تنفيذ تدريب مع تلك الدبابات العائدة إلى جيشهم.

 

الثالث-*[15] وهو اتجاه وسط بين الاتجاهين السابقين ويتلخّص في وضع كتائب وألوية الدبابات في تشكيلات قتالية ذات اكتفاء ذاتي، ومهمتها القيام بدور رأس حربة لفتح الثغرات في خطوط مقاومة الخصم. وقد اتُبع هذا النظام في حرب 1967 في إطار تشكيل الأوغادا Ugadah وهو جحفل يضم على العموم مختلف الأسلحة من دبابات ووحدات مشاة آلية ووحدات مشاة محمولة ومدفعية ذاتية الحركة وهندسة ميدان وغيره مع الخدمات الصحية والإدارية. وهذا التشكيل الذي نجح في ظروف حرب 1967 مني بفشل ذريع في عام 1973. تم تدمير 85 دبابة خلال بضع دقائق في يوم 8/3/1973، وأُسر قائد اللواء عساف باجوري من قبل القوات المصرية. وفي الجولان دُمر اللواء الإسرائيلي المدرّع 37، كما فقد اللواء المدرّع 17 عددا كبيرا من دباباته. يقول حاييم هرتسوغ :"كانت هناك قناعة في وسط قادة المدرعات الإسرائيليين بأن الدبابات قادرة على القتال وحدها بصورة مستقلة دون دعم المشاة. وقد تبين أن هذه القناعة من أخطر المفاهيم الخاطئة التي ترسخت في الفكر العسكري الإسرائيلي منذ حرب الأيام الستة. ذلك لأن المدرعات الإسرائيلية التي كانت نهاجم باندفاع سريع كسلاح الفرسان بدون دعم كاف من المشاة والمدفعية لم تحقق أي نجاح تجاه خطوط محصنة بالأسلحة المضادة للدبابات التي ركزها المصريون..*[16] وعلق الجنرال الأميركي جون دان على أسلوب قتال المدرعات في حرب 1973 في محاضرة ألقاها في مدرسة المدرعات الأميركية (فورت كنوكس) في أيار 1974، فقال: إن سبب ارتفاع الخسائر في الدبابات الإسرائيلية في الحرب الأخيرة يرجع على عدم اكتراث الإسرائيليين بالعقيدة التعبوية في قتال الدبابات، القائلة بضرورة استخدامها ضمن فريق متعاون من الأسلحة المشتركة، تلك لأنهم فُتنوا بنتائج استخدام الدبابة والطائرة في حرب 1967 (النتائج التي كانت من ظروف العرب وليس من قوة إسرائيل كما أشرنا إليه اعلاه: من عندنا) ونسوا أن الدبابة يجب أن تحمى، كما نسوا فائدة استخدام المدفعية وهكذا أمكن للعرب المسلمين بصواريخ ساغر أن يقتربوا منهم دون أن يصدوا ودون أن تمنعهم عن ذلك نيران المدفعية.*[17] وهذا الجنرال المحترم ينسى أيضا لإفهام تلاميذه أن إسرائيل ليست سوى قاعدة لإمبريالية بلاده، وقادتها كما أشرنا إليه أعلاه بحاجة إلى "تذكّر مستمر لإمدادات بلاده السخية في مثل هذه المجالات العدوانية" أكثر من عنايتهم بعقيدة عسكرية صحيحة.

إن الذي لا يذكر في حرب 1967 في كتابات وأقوال الصهاينة وأنصارهم ( وكذلك في الكتابات العربية بكل أسف) هو أن الجيش المصري كان "مثقلا" بالحرب اليمنية التي كان قد مضى عليها في ذلك التاريخ خمس سنوات. كما أن الطيران العربي في مصر وسوريا دُّمر على الأرض في الساعات الأولى من الحرب بهجوم إسرائيلي غادر. ونتيجة لتلك الظروف بقيت القوات العربية (المصرية والفلسطينية) معزولة في سيناء وغزة في الوقت الذي لم يكن فيه أي احتاطي هام في الدلتا المصرية. وهنالك عوامل أخرى يأتي في مقدمتها أن القيادة العربية التي لم تكن مستعدة للحرب وقعت في الفخ الأميركي-الصهيوني واستدرج إلى مواقف استفاد منها العدو لتبرير المبادرة بالعدوان. ويجدر بنا أن نذكر في هذا المجال أن الخطة الإسرائيلية لتلك الحرب عرضت على العمليات الأميركية في البنتاغون ونالت موافقتها قبل البدء بالعدوان بمدة كافية. كما أن الطيارين الأميركان وغيرهم من أصحاب الاختصاص (من حاملي الجنسية المزدوجة الأميركية-الإسرائيلية اشتركوا فيها. وهذا يعني بكل وضوح أن الأمر كان يتعلق بإغلاق مضائق تيران وبفترة الأزمة التي أعقبت هذا الفعل وانتهت بالهجوم الإسرائيلي. فدراسة خطة تنتهي باحتلال أراض تساوي بمساحتها أربعة أضعاف مساحة إسرائيل "حينذاك" بعد تدمير ثلاثة جيوش عربية ليست رد فعل "عصبي" على استرجاع مصر لسيادتها على جزء من ارض وطنها، وإنما هي حلقة من تدبير طويل لم تحسن الأنظمة العربية تقديره في وقته (ولا نعني هنا الأنظمة الرجعية الساهرة على حراسة مصالح المستعمرين)، نقول لم نحسن تقديره في وقته، وهو في الواقع ما كان يمثل إلا الشق الثاني من مؤامرة العدوان الثلاثي على مصر لإتمام بناء "هيكل" الإمبريالية الأميركية-الصهيونية في هذه المنطقة ذات الغنى الأسطوري. وعلى هذا الأساس يبني الخونة اليوم دعواهم القائلة بأ 99% من "حل مشكلتنا" هي بيد أصحاب هذا "الهيكل" وليس بيد أصحاب الأرض منذ ألوف السنين.

 

8- قال موشي بليد قائد المدرعات عام 1974*[18]:" يملك الجيش الإسرائيلي اليوم عددا من الدبابات يفوق ما كان لديه في نهاية حرب يوم الغفران. كما أن الدبابات الجديدة من نوع أفضل ومعظمها أميركي الصنع ومتقدم".*[19] وقال مردخاي غور رئيس الأركان الإسرائيلية في حديث له يوم 26/10/1974:" ستبقى الدبابة أساس القوة البرية. ولكن ما أدركناه هو أن الدبابة وحدها تكون معرضة للإصابة. ولأجل استغلالها بأفضل صورة ينبغي توفير الصورة المناسبة لاشتراك جميع الأسلحة في المعركة. وعندما تكون لدينا قوة مشتركة ومتلاحمة من الدبابات والمشاة والمدفعية والهندسة فإن كل هذه القوات تضمن القوة الصحيحة. وأعتقد أن عهد الحروب الخاطفة لم ينته*[20].." ويقول منظّر الجيش الإسرائيلي الجنرال تال الذي استُدعي للخدمة في أواخر 1979 كقائد للقوات البرية (وهي قيادة مستحدثة) ليعمل على بناء وتنظيم هده القوات، وهو يعبر بهذا القول عن الاتجاه العام الجديد لدور الدبابة، وفي ذات الوقت يعبر عن جوهر العقيدة العسكرية الميدانية:" الدبابة هي أساس التشكيلة المدرعة. وهذه التشكيلة متعددة الأسلحة، تتمثل فيها جميع الأسلحة، كلها متحركة وجزء منها مدرع. فالدبابة هي التي تقوم بدور الاقتحام والحسم في البر. أما سائر الأسلحة فهي منخرطة في التشكيلة لمساعدة الدبابة ولخدمتها، بواسطة معارك المشاة وتأمين السلامة، واختراق الحواجز، والتغطية بالنيران، والصيانة." وعلى هذا الأساس يمكن تصور الخط العام لعملية خرق لخط دفاعي بالشكل التالي:

 

- تأمين السيطرة الجوية المحلية، الزمن اللازم لإحداث الخرق واستثماره.

- القصف الجوي الكثيف لمواقع الخصم الرئيسية ودفاعاته: تحصيناته، مدرعاته، آلياته، شؤونه الإدارية، مراكز قياداته.

- رمي مدفعي عنيف وسريع لمختلف المواقع والدفاعات والتجمعات العدوة تشترك فيه كل أنواع المدفعية في مختلف وحدات التشكيلة المهاجمة ويوزع رميها على الأهداف بحسب عياراتها ومداها. ويتبع ذلك مباشرة سد مدفعي زاحف تتقدم خلفه الدبابات مع المشاة الميكانيكية والمدفعية ذاتية الحركة والهندسة الميدانية بتعبئة مناسبة حول الدبابات من خط الانطلاق إلى خط التماس مع العدو حيث تقوم هذه التشكيلة بالانقضاض على مواقع الخصم بتنسيق مناسب.

- تقوم طائرات الدعم الناري العمودية (هليكوبتر) بمؤازرة العملية السابقة: بضرب أهداف عدوة لا سيما منها المدرعات والمدافع ذاتية الحركة والبطاريات المضادة للدروع ومرابض المدفعية على أنواعها ومختلف الآليات، وذلك على مقربة مباشرة من الوحدات المهاجمة. أما في الأعماق فتُترك الأهداف لطيران الدعم المباشر: قصف مرابض المدفعية الثقيلة مثلا، وتجمعات المشاة والآليات والدبابات في الاحتياط، ومراكز التموين، ومقرات القيادة، والجسور وغيره.

- في ذات الوقت تقوم الطائرات العمودية بإنزال وحدات المشاة والهندسة المحمولة جوا فوق ووراء الأهداف والخطوط المناسبة.

- بالإمكان تصور إنزال فرق صاعقة بالطائرات العمودية للقيام بمهمات خاصة كنسف مقرات عامة، أو نسف جسور، أو تخريب قواعد تموين، أو القضاء على مدفعية بعيدة المدى، أو احتلال ممرات إجبارية الخ..

- بالإمكان تصور إنزال مظلي كثيف يعزز بإنزال قطعات محمولة بالطيران العمودي وراء مواقع العدو لتشكيل قوة مقاتلة هناك تلتقي مع القوة الرئيسية المذكورة أعلاه وتسبب في ذات الوقت الفوضى والارتباك في مؤخرات الخصم.

- بعد فتح الثغرة تستمر الدبابات مع بقية الأسلحة التي تساندها بالتقدم في الأعماق العملياتية المقررة تحت مظلة طائرات الدعم الناري العمودية (التي تحل موقتا مكان المدفعية المساندة) بينما تأني المشاة المحمولة مع المدفعية الإدارية للحلول مكان النسق الأول في الثغرة وإتمام تنظيف المكان من بقايا الخصم وحقول الألغام وتوسيع الخرق إذا لزم الأمر.

- يتم إخلاء الجرحى والقتلى بالطيران العمودي.

- يستعمل الطيران العمودي في أعمال التموين على اختلافه ولنقل الآليات أيضا في الميدان.

 

إن تنفيذ كل العمليات السابقة أو الاستغناء عن بعضها أو أكثرها يرتبط بقوة الخط الواجب اختراقه وبالاتساع المطلوب لأهداف العملية. وفي كل الأحوال يجب أن تتفوق نيران المهاجم على نيران المدافع تفوقا ساحقا بالغزارة وبالعيار: كل سلاح يدافع في مواقع الخصم يقابله أسلحة تتفوق بغزارة رميها وبعيارها وبظروفها على الأرض. ويقدر التفوق المطلوب اليوم بمقدار ستة إلى واحد بعد أن كان في الحمسينات اثنين أو ثلاثة إلى واحد، وهو في تصاعد مع تصاعد الوسائل وتقدم التقنية.

 

ولقد عملت إدارة البنتاغون على تحليل ظروف حرب تشرين وتجديد تسليح إسرائيل بما يتوافق مع المعطيات الجديدة وأبرزها:

- تطور وسائل الحرب الألكترونية.

- إعادة تنظيم القوات الإسرائيلية وفق معطيات الأسلحة الحديثة باشتراك مختلف صنوف الأسلحة والانتقال من تنظيم اللواء أو مجموعة الألوية (أوغادا) إلى النظام الفرقي.

- تحويل الجيش الإسرائيلي بأجمعه إلى جيش مدرّع-آلي (ميكانيكي) بدلالة حصول إسرائيل على أربعة آلاف ناقلة مدرعة بهدف زيادة القدرة الحركية لا للمشاة فقط وإنما للمدفعية والهندسة والخدمات الطبية والفنية ولإمداد والتموين.

- زيادة القدرة النارية للمدفعية لتستطيع تحقيق الاكتفاء الذاتي ولتساعد على تخفيف الأعباء عن القوات الجوية.

- تزويد إسرائيل بالقنابل العنقودية وقنابل الصدمة لمهاجمة القوات العربية الكثيفة.

- زيادة الفعالية من خلال تنسيق التعاون بين مختلف القوات البرية والجوية والبحرية.*[21]

 

وهذا يعني بكل وضوح أن البنتاغون لا يكتفي بمراجعة خطط وقرارات قادة الجيش الإسرائيلي. ولا بترتيب إمداد هذا الجيش بكل ما يلزم من أدوات العدوان والدمار وتنفيذ هذا الإمداد، ولا بمدّه بالرجال وعند الحاجة الاشتراك الفعلي معه بالعدوان بمختلف الأشكال، وإنما أيضا يفرض إطارا وأساسا لعقيدته. ثم إن عمليات استيعاب الأسلحة الجديدة والتنظيم الأخير للجيش الإسرائيلي قامت في السنوات التي خلت وأعقبت حرب 1972 بالمناورات ودورات التدريب ومختلف البعثات، وعلى الأخص بالتنفيذ العملي بمهاجمة القوات الفلسطينية والقوات الوطنية على الأرض اللبنانية بكل الوسائل الحديثة التي أشرنا إليها آنفا.

 

9- بعد أخذ ورد طويلين وصراع جنرالات العدو استدعي في نهاية الأمر الجنرال تال إلى الخدمة كقائد للقوات البرية، وأوكلت إليه مهمة تنظيم الجيش الإسرائيلي. وقد طبق الإطار التالي الذي ما هو في الواقع إلا "تصغير" للإطار التنظيمي للقوات الأميركية.*[22]

 

أولاً: إلغاء قيادات الأسلحة البرية: أسلحة الدبابات و المشاة و المدفعية و الهندسة و الاشارة و الطب و الصيانة و النساء و الشرطة العسكرية. و إنشاء قيادة برية واحدة تحت امرة قائد واحد يعاونه ضباط من مختلف الأسلحة المذكورة. و هذا يعني أن كل الاسلحة البرية المختلفة تتكامل في الميدان بخواصها التقنية و القتالية (التكتيكية و العملياتية و الستراتيجية) حول و احد منها (هو سلاح الدبابات حسب العقيدة الاسرائيلية المار ذكرها) و بالتالي تشكل سلاحاً متعدد الأبعاد (تام الامكانات) هو السلاح البري.

 

ثانيا: حصر صلاحيات رئيس الأركان العامة*[23] واقتصارها على شؤون التخطيط الاستراتيجي والتنظيمي العام. أي أن مسارح العمليات بكل ما فيها أثناء القتال ستكون بإشراف وقيادة قائد القوى البرية الذي ينال دعم السلاحين الآخرين: الجوي والبحري. مع غيره من الخدمات والمساعدات في إطار الأوامر والتعليمات العامة الصادرة عن رئيس الأركان، وبالاتصال المباشر والتنسيق المشترك بين القيادات البرية والجوية والبحرية.

 

ثالثا: تشكل قيادات القوات البرية والجوية والبحرية، بالإضافة إلى شعب العمليات، والاستخبارات، والطاقة البشرية والتخزين والتخطيط، هيئة الأركان العامة حول رئيس الأركان.

 

رابعا: يقوم الجيش الإسرائيلي على نظام الفرق بدلا من نظام الأوغادا.

 

أما الشكل الذي تتبناه إسرائيل حاليا للحرب فهو الشكل الهجومي الذي تبنته دوما منذ الساعة التي قامت بها. فهذه الدولة القاعدة في جهاز القهر الاستعماري الذي أعده الإمبرياليون الأميركان لوطننا لا يمكن أن تتبنى إلا عقيدة هجومية تجاهنا نحن كأمة ثائرة أبدا مادام القهر نازلا بها، وتجاه أبناء وطننا الفلسطينيين الذين شُرّدوا من أرضهم لتقوم هي عليها. وهنا نجد أيضا أن العقيدة لا تتم وتترسخ في "ضمائر ومفاهيم" أصحابها إلا بعد موافقة الأميركان وإذنهم لهم بحملها، وليس بنتيجة قناعتهم وإيمانهم بها، كما هو في العادة عندما تتكون العقيدة في دولة عادية. فهي إذن كصاحبتها إسرائيل عقيدة "بلاستيكية" يركبها الإمبرياليون في دوائرهم. ونحن بهذه الاستعارة لا نقصد التعريض بالعدو (الذي نقدّر خطره الكبير علينا حق قدره) أكثر من قصدنا التذكير بأولئك العرب الذين لهم القدرة على رؤية إسرائيل ويعجزون عن رؤية أميركا على ضخامتها وضخامة الأذى الذي تلحقه بنا. ولننظر إلى ما كتبته هاآرتس حول هذا الموضوع*[24]:" إن الواجب العقائدي لإسرائيل يدعوها للإمساك بالمبادأة في الهجوم وذلك في اللحظة التي تبدو فيها ظواهر الهجوم العربي. ويجب أن يكون واضحا للعرب أن من يتحدث أنه سيشن الحرب أو يذكر ذلك، أو أنه حتى يستعد لها، فإنه يتحمل خطر التعجيل بإلحاق الأذى بنفسه.. ويستحسن أن نوضح ذلك أيضا لواشنطن، وأن نعجل بهذا قدر الإمكان، وعلينا أن نوضح ذلك للأميركيين على كل المستويات الحكومية. إن حق إنزال الضربة الأولى المبكرة يشكل واحدا من طرفي العملة وإذا ما اقتنعوا (أي اقتنع الأميركيون: من عندنا) منا بأن العرب يستعدون حقا للحرب، فإن علينا أن نوضح لأنفسنا ما نريده من جيش الدفاع... وإذا ما تمثل الهدف بنقل الحرب إلى أراضي العدو وفقا لما عودناهم عليها دائما، فهل من الضروري فعل ذلك في كل الجبهات، أم أنه من الضروري التركيز على جبهة معينة لدمج الأهداف العسكرية بالأهداف السياسية. (من الواضح أن الكاتب يعني هنا بالأهداف السياسية احتلال الأرض المراد إلحاقها بإسرائيل في مخططاتهم العدوانية: من عندنا) ".

 

ونقول في النتيجة أن العقيدة هي مجموعة مفاهيم تكون نظاما فكريا تنشأ عنه قواعد ومقاييس تستند إليه أحكام القادة السياسيين والعسكريين على كل ما يتعلق بالدولة من أمور سياسية واقتصادية وعسكرية ومعنوية وتوجه أفعالهم حسب ستراتيجيات مناسبة خلال مرحلة تاريخية محددة (ونفهم بداهة أن عداوات الدولة وصداقاتها مع الدول الأخرى هي من صلب الأمور المذكورة التي تتعلق بها) وفي إسرائيل تكونت تلك المفاهيم كما رأينا من علاقات هذه الدولة القاعدة بالإمبرياليين والإمبريالية المعاصرة، فهي تفتقر إلى أصالة مفاهيم دولة اعتيادية وثباتها النسبي عندما تتأثر وتتعدّل على الدوام بتوجيهات ورغبات المستعمرين الأسياد.



[1] عندما قابل هرتزل المستشار الألماني فون هوهنلومة سأله هذا الأخير إذا كانت مطالب الحركة الصهيونية تمتد حتى شمالي بيروت، فأجاب هرتزل:" سوف نطالب بما نحتاج إليه كلما ازداد عدد الهاجرين" (كتاب إسرائيل الكبرى للدكتور أسعد رزق ص 88)

[2] قام الاحتكار الرأسمالي العالمي على انصهار رؤوس الأموال النقدية برؤوس الأموال الصناعية وعلى تصدير رؤوس الأموال إلى العالم المتخلّف فأصبح للمرابين الصهاينة المواقع المشرفة على الاقتصاد الرأسمالي.

[3] إن الكتّاب العسكريين الأميركيين يقرّون في كتاباتهم بان إسرائيل هي قاعدة متقدمة، فالكاتب جون.م. كولنز يقول في بحثه الذي يدور حول استخدام القوات الأميركية لتأمين التزود بنفط الخليج العربي:" تتمركز القوات الأميركية (قوات التدخل في الخليج) في القواعد المتقدمة كإسرائيل.."

[4] عدد 14/12/ 1979 (ترجمة دار الجليل في نشرتها بتاريخ 29/12/1979)

[5] عدد14/12/1979 (ترجمة دار الجليل في نشرتها بتاريخ 22/12/1979

[6] إن هذه المسافة هي مسافة أفقية لا تأخذ بالحسبان صعود الأرض وهبوطها. كما لا تأخذ بالحسبان تعرجات الخط المقاس. وستكون كل مسافة نعطيها في هذا البحث مقدّرة بهذا الشكل ما لم نُشر إلى عكس ذلك.

 

[7] تتصل الأرض الأردنية أيضا بالنقب وهي غير بعيدة عن غزة وعن التجمعات العربية الأخرى في فلسطين التي يعمل العدو جاهدا على دمجها المادي يف كيانه، والتي يجب أن يكون لها دور فعّال في الكفاح العربي ضد السرطان الصهيوني.

[8] تشكلت لجنة برئاسة المرحوم اللواء رفعت خانكان قائد قوى البادية آنذاك لشراء ما لدى البدو من أسلحة لحساب جيش الإنقاذ..

[9] إن الجيش السوري الذي كان لا يبلغ اللوائين مع كتيبتي مدفعية 75 مم وسرية دبابات رنو 13 طن بمدفع 37 مم وسرية هندسة وسرية إشارة أوقع بالعدو الصهيوني هزائم كبيرة على الرغم من قلة الذخائر لديه، وقد سقط عُشر ضباطه شهداء في معارك تلك الأيام. أما جيش الإنقاذ فكان لا يتجاوز اللواء المعزز بسرية مصفحات وببطاريتي مدفعية 75 مم وفصيل هاوتزر 105 مم وقد كُتب عن هذا الجيش في بعض الأحيان بكثير من التجني والحقد لأسباب لا مجال لذكرها. وكانت ظروف هذا الجيش من أسوأ ما شاهدته من ظروف في كل حياتي العسكرية: فقر بكل أنواع الإمدادات، بالأسلحة والذخيرة والتموين. وأذكر مثلا أن بعض جنودي كانوا حفاة في معركة كنا نخوضها بالمدفعية من مرتفعات بالو المشرفة على باب الواد. وقد أُتيح لي تزويدهم بالأحذية في اليوم التالي مما غنمناه من العدو في معركة اللطرون الشهيرة. ومع ذلك فإن هذا الجيش سجل انتصارات حاسمة على العدو الصهيوني لا سيما في معارك باب الواد والقدس حيث كان يقاتل مع وحدات الجهاد المقدس الفلسطينية.

[10] الأرض. العدد السابع عشر 21؟ / 5/1978

[11] إن هذا العبور مع تحطيم خط بارليف الذي كلّف 2.5 مليار دولار واقع لا جدال فيه بغضّ النظر عما كان يبيته السادات من خيانة.

[12] الأرض، العدد السابع عشر 21/5/1977

[13] الأرض، العدد السابع عشر 21/5/1977

الأنباء 20/8/1980

 

[14] كان البريطانيون في دورات الأركان الميدانية المقامة في الحرب العالمية الماضية يعودون دوما إلى النقطة التي كانت تشغل بالهم على الدوام في تلك الأوقات، وهي: الأثر النفسي للدبابة الذي ولدته تلك الانتصارات الباهرة التي أحرزها الألمان بهذا السلاح في أوروبا وعلى الأخص في الشمال الإفريقي تحت قيادة رومل الأسطوري. فكانوا يؤكدون دوما في محاولات للتخفيف من ذلك الأثر (وهو تأكيد صحيح) إن الدبابة سلاح "أعمى" يفتقر إلى المرونة وأثرها يكون أكبر في المنهزم الخائف منها. وقد اكتسبت قنبلة مولوتوف الروسية في تلك الأوقات

شهرة واسعة قائمة على الدهشة والإعجاب بهذا السلاح الذي يتمكن به فرد ثابت الجنان شجاع من تدمير دبابة بمفرده.

[15] انظر مقال الأرض المنوه عنه أعلاه مع مقال الأنباء

[16] حاييم هرتسوغ. يديعوت أحرنوت. حرب يوم الغفران. الحلقة الرابعة ترجمة الأرض 21/5/1978

[17] نشرة الأرضالمنوه عنها سابقا.

[18] هاآرتس 10/10/1974 ترجمة نشرة الأرض المنوه عنها أعلاه.

[19] لدىإسرائيل حتى منتصف عام 1975 نحو 1000 دبابة باتون إم 48،إم 60، بالإضافة إلى 400 دبابة سنتوريوم قدمتها بريطانيا لإسرائيل.

 

[20] نشرة الأرض المنوه عنها اعلاه.

[21] الأرض. العدد المنوه عنه أعلاه.

[22] الأسبوع العربي. 10/3/1980 مشروع تال. عماد الحسيني.

[23] في أميركا :رئيس الأركان المشتركة: الأركان البرية، والأركان البحرية، والأركان الجوية.

[24] عدد 25/3/1977 ترجمة نشرة الأرض 21/5/1980.