العسكرية الصهيونية

بعد حرب تشرين

 

 

الفريق عفيف البزري

 

1981 ميلادي- 1402 هجري

 

 


الستراتيجية الإسرائيلية

 

"تعتبر الستراتيجية ابنة العقيدة، حيث تحدد الثانية الأسس والمبادئ حيث تحدد الثانية الأسس والمبادئ العامة في الوقت الذي تضع فيه الستراتيجية وتبحث استنتاجا من هذه الأسس المواضيع التفصيلية المتعلقة بطبيعة الحرب المقبلة.. والستراتيجية هي جملة ما تدرسه القيادة من المعارف العلمية عن قوانين الحرب ومبادئها وقواعدها العامة وما تكشف عنه دراساتها وتجاربها من القواعد والقوانين الخاصة لظروف الحرب التي تخوضها على اعتبار أن الحرب صراع مسلح من اجل مصالح تتنازعها الجهتان المتحاربتان.. وتُبحث الستراتيجية على أساس خبرة الحروب وانطلاقا من الموقف السياسي والعسكري والإمكانات المادية والمعنوية، ونوع وسائط الصراع الراهنة، ووجهة نظر العدو المحتملة في شروط وخواص الحرب المقبلة وطرق إعدادها وخوضها، وفي إعداد ما يلزم من قوى وفي أسس استخدامها الستراتيجي، وأسس التأمين المادي والفني والمعنوي لها، ومن ثم قيادة الصراع حتى نهايته في شروط تاريخية معينة. وميدان ما سبق هو ميدان النشاط العملي لقيادة الحرب: العسكرية والسياسية"*[1].

 

وتدور الحرب على مستويات ثلاثة: التكتيك والعمليات والستراتيجية، والأخيرة هي الرائدة بالنسبة للمستويين الأولين فتحدد الهدف الرئيسي لأعمالهما والقوى والوسائط اللازمة لذلك وطرق تنفيذ المهمات المسندة إليهما.*[2] ومستوى العمليات يستوعب على الأقل مسرحا بشكل وحدة جغرافية أو وحدة ستراتيجية. أما التكتيك أو التعبوي فيستهدف هدفا محددا حيث يقوم قائد واحد بتنسيق أفعال الوحدات المقاتلة وأفعال الوسائط العادة إلى عدد من الأسلحة المختلفة بشكل مباشر من اجل الحصول على أكبر مردود لكل الأفعال المذكورة على ذلك الهدف.

 

قوانين الحرب العربية- الإسرائيلية

 

إن قوانين الحرب التي برزت عبر تكون المجتمعات الإنسانية، وعبرت عن شكل من أشكال تفاعلاتها فيما بين بعضها والبعض الآخر، هي المادة الأساسية التي تقوم عليها الستراتيجية كعلم تطبيقي نشأ وارتقى بتطور وسائل الإنسان واتساع تجاربه وخبراته.وهي تنقسم إلى فئتين:

 

-  القوانين العامة للحروب التي يمكن أن تقوم في مرحلة تاريخية محددة.

- القوانين الخاصة التي تعبر عن علاقات تاريخية تقوم في الظروف المحلية والعالمية لكل حرب من الحروب.

ذلك لأننا رأينا أن ميدان الستراتيجية هو ميدان النشاط العملي لقيادة الحرب التي تخضع كما يخضع كل مسلسل من الحوادث المادية لفئتي القوانين العامة والخاصة العائدة إلى نوعه. ولننظر فيما يلي إلى البارزة من كل من هاتين الفئتين:

أولا- القوانين العامة للحرب:

1- قوانين الحرب موضوعية لا تتبدل بالنسبة لطرفي الصراع.

2- يعدّ للحرب ما يُستطاع من قوة: مادية وروحية، " فالحرب ما هي إلا اختبار شامل للقوى المادية والروحية لكل أمة، وإن الظفر فيها ما هو إلا نصيب الطرف الذي يملك احتياطا أكبر ومصادر قوة أكثر وقوة احتمال أشد في صفوف سكانه. وإن النصر في أية حرب يتوقف على الحالة المعنوية للجماهير التي تقف في ميدان المعركة باذلة دماءها، الأمر الذي ينطبق بدرجة واحدة على كلا الطرفين المتحاربين".

 

إن الإعداد المادي لإسرائيل مؤمّن من الإمبرياليين وعلى الأخص من زعيمتهم الولايات المتحدة الأميركية. ولكن إلى متى سيبقى اليهودي الآتي من أوطانه البعيدة إلى فلسطين ليغتصبها لنفسه مغمض العينين فلا يرى أنه لا يغتصبها لإلا للإمبرياليين المرابين الأميركان-الصهاينة مع تقديم دمه لينعموا هم (وليس هو) بنهب ثرواتنا..

 

3- يقول كلاوزفيتزر:" إن الحرب هي استمرار للسياسة ولكن بوسائل أخرى". فلا يمكن إذن أن تنشط القيادة السياسية فيما يؤدي سعيها إلى أهدافها العسكرية والعكس بالعكس. إن الأهداف التوسعية لإسرائيل مثلا التي تحققها بالحرب وتعد في السلم لها لا يمكن أن تتلاءم مع أبسط مصلحة للرجعية العربية وهي أن تبقى (هذه الرجعية) على الأقل في ديارها عندما يتاح للعدو الإسرائيلي غزو بلادها واحتلالها. ومثال فلسطين وباقي الأراضي العربية المحتلة ماثل أمامنا: إن هذا العدو لم يوفر أحدا في كل أرض احتلها من أراضينا، فصادر الأملاك ونهب القيم وسجن وقتل ولم يترك أي نوع من أنواع القهر إلا مارسه على الجميع بدون استثناء. وقد بلغ بهذا حد حرمان الجميع (من كل الطبقات والطوائف) من أبسط حقوقهم الإنسانية. فتظاهره إذن بالغيرة على هذه الفئة أو تلك، في هذا القطر أو ذاك من وطننا العربي، ليس إلا من باب الخداع للمساعدة على المزيد من تفريق شملنا وبلبلة أفكارنا واستجلاب المزيد والمزيد من المخدوعين منا لمساعدة مخططاته التوسعية، بشتى الأشكال التي من أولها الإصغاء لنصائح المستعمرين الأميركان رأس كل بلاء وشر في هذه الدنيا. وبالتالي تسهيل مهمات جيوشه في غزو أراضينا كما فعل حتى الآن. ولسنا بحاجة إلى التأكيد على استحالة تخلي أميركا عن دعم إسرائيل بكل الوسائل ما دامت تشكل طليعة العدوان التاريخي لنظامها الاستعماري على منطقتنا.

4- إن الإنسان بمعنوياته وتدريبه يبقى العامل الحاسم في كل حرب مهما تقدمت تقنية السلاح والوسائط واختلفت خواص الأرض التي تدور عليها رحى الحرب. وتقدم التقنية بفرض المزيد من المهارات الفردية، والتدريب الجماعي وسعة خبرة القيادات ومرونتها: يتضمن التسليح الحديث مثلا العديد من الأسلحة التي يتطلب كل واحد منها مهاراته الخاصة، وبسبب هذا التعدد في النوعية، والتقدم في سرعة الحركة وآليتها، والازدحام في الحشد، والشدة في ارتباط خواص الأسلحة بعضها ببعض، وتكامل مهامها في ساحات القتال والعمليات، مع التغير السريع لأحوال وأطوار كل معركة يصبح من الصعب تلافي الخسائر التي قد يصل مداها إلى الفشل ووقوع الهزيمة بسبب تقصير في أحد الأسلحة أو الوسائط، أو إهمال في تنسيق أفعال وحركة مختلف الجهات المشاركة في القتال بشكل مباشر أو غير مباشر مما يسبب اختلاط الحابل بالنابل والفوضى التي لا مخرج منها، أو الجهل في استخدام القوى المتوفرة، أو عدم متابعة التطور السريع للمعارك أو الحرب واتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب. أو كل هذه الأمور معا. إن الحملة العسكرية الأميركية الشهيرة (حملة إنقاذ أعضاء السفارة) ضد إيران مثلا فشلت قبل مواجهة العدو بتعثر المنفذين بتقنيتهم المتقدمة. وفي المقابل تمكن الشعب الفييتنامي بتصميم الإنسان فيه وحسن تدبيره من الانتصار بأسلحة بسيطة نسبيا على أقوى إمبريالية شهدها التاريخ الإنساني.

 

5- إن المدن الكبيرة، بتشابك البنيان فيها وتعدد التعرجات والتفرعات في شوارعها وطرقاتها وانتشار مخابئها تشكل متاهات لا مخرج منها عند التصميم على الدفاع فيها وتهيئتها بشكل مناسب لهذا الغرض (بإخلاء من لا فائدة منهم وإبعادهم عنها ونشر القوات بنظام تتعاون فيه تعاونا مجديا فيها وتوفير الاحتياط الكافي للهجوم المعاكس وقطع الطريق على العدو ومحاصرته فيها وعلى مشارفها)

 

6- إن الإمداد على اختلاف أنواعه لتعويض ما تستهلكه الجيوش الحديثة في القتال في الوقت المناسب يشكل أحد الأعباء الرئيسية على كاهل القيادة. وتزداد الصعوبة في هذا المجال بالنسبة للبلاد التي لا تستطيع صناعاتها تلبية حاجات جيوشها بالأسلحة والآليات ومختلف التقنيات المتطورة، فتصبح لذلك مؤخرات تلك الجيوش في البلاد المتقدمة صناعيا ذات المصلح في الإمداد: إن إسرائيل مثلا لا يمكنها أن تلبي بصناعاتها معظم حاجات جيشها، فمؤخراتها اللوجستية تقع بمعظمها في أميركا وفي القواعد الأميركية المنتشرة حول منطقتنا، وبالتالي نرى أن على الدوام قيام جسور الإمداد الأميركية إلى إسرائيل في كل عدوان تشنه علينا هذه القاعدة. أما الأقطار العربية فإنها لن تستطيع بناء صناعة متقدمة تلبي حاجات جيش حديث إلا في اليوم الذي يصبح لها فيه اقتصاد واحد.

 

قوانين الحرب الخاصة بإسرائيل

 

1- إن حروب إسرائيل مع العرب مسلسل متصل لا نهاية له إلا بنهاية اغتصاب فلسطين وعودتها إلى أصحابها.

 

2- إن الحروب التي تشنها إسرائيل ضد العرب هي من متممات السياسة الإمبريالية في المنطقة العربية. وكان تأخرنا في إدراك هذا القانون من الأسباب الأساسية في كل الهزائم التي حلت بنا.

 

3- إن تعدد الأنظمة العربية وخلافاتها الدائمة تبعد عن إسرائيل خطر المواجهة العربية الجماعية الجدية والطويلة الأمد عند اللزوم. ومكنها من وضع ثقلها على مسرح واحد عائد إلى نظام عربي واحد ثم الانتقال إلى مسرح آخر عند الانتهاء من السابق وهكذا دواليك.

 

4- إن إسرائيل رأس جسر للنظام الإمبريالي العالمي في المنطقة العربية، فأعماقها الستراتيجية لا تقتصر فقط على الأرض المحتلة، وإنما تمتد إلى القواعد الإمبريالية المنتشرة من منطقتنا حتى تصل إلى الولايات المتحدة الأميركية. وبالتالي لا مجال للقوات العربية لقطع تلك الأعماق ما لم تكن عائدة إلى نظام ثوري.

 

5- إن إسرائيل الدولة-القاعدة المقامة على أرض الغير المغتصبة لا يمكنها أن تخسر حربا مع أصحاب هذه الأرض دون أن تخسر وجودها. لذلك انصبّ سعي الصهاينة منذ قيام دولتهم على تكوين مخزون نووي يرهبون به العرب في حالة قيام مثل هذا الظرف. إلا أن السلاح النووي يتطلب كي ينتشر انتشارا كافيا أرضا متسعة غير متوفرة لإسرائيل.

 

6- إن التفوق الجغرافي ما يزال للعرب على الرغم من كل المكاسب التوسعية التي حققتها إسرائيل في حروبها السابقة.

 

7- ما يزال العرب مالكين احتياطا ماديا كبيرا يفوق ما يمكن أن تحصل عليه إسرائيل، إلا أنه لم يتح لهم حتى الآن تنظيمه وحشده للاستفادة منه في مجابهة العدو الصهيوني ومجابهة المعونات المتدفقة عليه من حلفائه الأميركان.

 

8- إن العرب متفوقون بالطاقة البشرية تفوقا ساحقا، إلا أن أنظمتهم المتعددة تبدد هذا التفوق بتقسيمها الأمة إلى العديد من الدويلات الصغيرة التي لا تلتزم بنظام واحد.

 

9- إن التقديرات الصادرة عن مختلف المعاهد المختصة لموجودات الجيش الإسرائيلي من الأسلحة والتجهيزات والآليات لا تعطي الصورة الكاملة عن الاستعداد المادي لهذا الجيش عندما تهمل الجسور التي تقيمها أميركا كلما لزم الأمر لإمداد إسرائيل بكل ما هي بحاجة إليه لمداومة القتال والتفوق عليه.

 

10- ما يزال العرب يهملون الكفاح المسلح في منازلتهم العدو الإسرائيلي، وهو أبرز تقاليدهم النضالية ضد الغزاة عبر تاريخهم الطويل. إنه الجهاد المفروض في العقيدة الإسلامية فرض عين على كل مسلم (وفي الخلق الإنساني على كل إنسان لمقاومة العدوان والقهر).ويتم تحضيره وتنظيمه من قبل أية سلطة تستمد شرعيتها من جديتها في منازلة العدو، أي باختصار من قبل سلطة ثورية تضع أسس قيامه المادية والروحية (ليأخذ الشكل المنظم الفعّال) وتدعو له بناء على هذه الأسس كافة العرب في كل أنحاء وطنهم الكبير، وعند الضرورة توسع هذه الدعوة لتشمل العالم الإسلامي كله. وهذا يكفي لردع أميركا ومنع تدخلها السافر في حال انهيار قاعدتها هذه. وهو الطريقة المثلى لتجاوز الأنظمة العربية العقبات*[3] على دروب كفاح جماهير أمتنا للعدوان والقهر الأميركي-الصهيوني، نقول إن الأمر يجري على عكس هذه الصورة بكل أسف، إذ ما نزال سجناء الأشكال التنظيمية الجامدة التي عجزت عن منع تكبيل ثلث الأمة العربية بتآمر طغمة خائنة صغيرة يتزعمها السادات في مصر. يُضاف إلى هذا انزلاق العراق إلى هذه الحرب المحزنة مع إيران. فيكون الواقع الملموس حاليا.

إن استراتيجية العدو لا تدخل في حسابها في مواجهة قواتها العسكرية ثقل جيشين عربيين أساسيين (المصري والعراقي) طيلة زمن لا يمكن التنبؤ بطوله، إلا أنه يقاس بالسنين الطوال.

 

خواص الحرب العربية الإسرائيلية المقبلة

 

تحمل لإسرائيل هوية الدولة-القاعدة المقامة عنوة واغتصابا على أرض شُرّد شعبها لتكون رأس جسر للنظام الإمبريالي الحديث قي منطقة احتياطي النفط العالمي. أما عدوها فأمتنا العربية وفي طليعتها أهل الأرض المُغتصبة. وأمتنا ممزقة بأنظمتها الإقليمية الراهنة، ويحرص المستعمرون على إدامة هذا التمزق كي لا تقوم قوة كبرى في وطننا تمنع عنهم ما ينهبونه منه من ثروات وقيم. والهدف الأول الثابت للعدو الصهيوني هو:

 

- متابعة تشتيت شمل الشعب الفلسطيني، وملاحقته في معسكراته وتقتيل أفراده والعمل بكل الوسائل لتيئيسه من العودة إلى وطنه ليذوب في النتيجة في مجتمعات أمته خارج أرضه المغتصبة أو في مجتمعات المهاجر، حتى لا يبقى بعد هذا من يسعى إلى استرداد الوطن الضائع.

 

إن الخطوات العملية إلى هذا الهدف هو بطبيعة الحال سعي العدو إلى قتل المقاومة الفلسطينية المنظمة التي تجسّد ماديا كفاح شعبها من أجل استرداد حقه وتعبر عن إرادته مع عمله على تمييع تمثيل الفلسطينيين بمحاولات افتعال نشاطات مشبوهة في مختلف أوجه الحياة الاجتماعية في الأراضي المحتلة، مع دفع بعض الوجوه الهزيلة غير المترابطة بأي نظام إلى السطح عسى أن يخدمه ذلك في تزوير تمثيل الشعب الفلسطيني بصور يمتلكها بيده، وبالتالي يتمكن عندما يطيب له ذلك من إتلافها وإلقائها في المزابل.

 

وكان قيام منظمات الكفاح الفلسطيني وفي طليعتها المنظمة الرئيسية فتح وانبثاقها بشكل طبيعي من بين صفوف شعب فلسطين، ثم تحول منظمة التحرير لتتشكل من مجموع هذه المنظمات وضع الثورة الفلسطينية في هويتها الصحيحة وأتاح لها انتصاراتها الكبرى التي حققتها على الصعيدين: العسكري والسياسي (محليا وعالميا)، وجعل الحرب العربية-الإسرائيلية حربا متصلة لا انقطاع فيها في العرفين: الواقعي والدولي، ما دام للمنظمة الاعتراف الدولي عمليا، وما دامت اشتباكاتها لا تنقطع مع العدو. وعندما نقول أنّ حربا مقبلة بيننا وبين الصهاينة فإن هذا لا يعني في الواقع إلا اتساع الحرب الدائرة لتشمل مسارح أخرى (غير المسرح اللبناني حاليا) أو لتتسع في المسرح اللبناني.

 

إن المهام اليومية لقتال منظمة التحرير والقوات الوطنية اللبنانية متروكة حاليا لإسرائيل تتخذ فيها القرار المناسب، أما توسيع الحرب أو ما اعتدنا على تسميته بالحرب المقبلة فإن البت فيها يعود من الناحيتين السياسية والعسكرية إلى مكتب الأمن القومي الأميركي والبنتاغون، الجهتين اللتين تقومان بدراستها وتقدير تكاليفها على الخزانة الأميركية، وتقدران الوقت المحتمل لاستمرارها، وشدتها وانتشارها، كي تقوم في الأجهزة العسكرية الأميركية ذات العلاقة الاستعدادات المناسبة لها. وقد مر معنا مثال هذا فيما سبق من البحث عندما رأينا كيف فحصت السلطات الأميركية المختصة مخطط العدوان الإسرائيلي لعام 1967 وأقرّته واشتركت بتنفيذ أجزاء هامة منه: كاشتراك طياريها مثلا بالغارات على بلادنا، واشتراك أجهزتها الألكترونية بالتجسس والتشويش على شبكاتنا اللاسلكية.

 

وتفضّل الإمبريالية-الصهيونية (على ما يبدو حاليا)عدم تعكير الأحوال الملائمة لها كثيرا في المنطقة، فلا تسمح لإسرائيل بتعكيره بتوسيع ساحات القتال إلا في حالة وقوع زلزال ضخم في المنطقة يشبه الزلزال الإيراني، كسقوط نظام السادات الخائن في مصر مثلا. عندئذ تأخذ الحرب شكل الحملة التأديبية من جهة، وشكل محاولة "استيفاء ما أعارته" من سيناء إلى السادات من جهة أخرى. ولا يعني هذا عدم ورود احتمال قيام إسرائيل بمبادرة من عندها بتوسيع الحرب و(لأسباب تتعلق على الأخص بأمورها الاقتصادية المتدهورة وأحوال سكانها المعيشية السيئة) واضعة بذلك أسيادها الأميركان- الصهاينة أمام الأمر الواقع: بالإمكان مثلا أن تقوم بمحاولة إكمال عملية تمزيق لبنان*.[4] فهي كما أسلفنا دولة- قاعدة (وليست مجرد قاعدة) فيها بيروقراطية لها مصالح تتميز من مصالح الأسياد في أكثر من حالة، وقد سبق وأشرنا إلى هذا. ولكن هذا الأمر ما هو إلا شذوذ عن القاعدة ( عن قانون طاعة الأسياد) وهو يؤكدها حسب قواعد المنطق المعروفة.

 

وسائل العنف لتحقيق أهداف الستراتيجية الإسرائيلية

 

إن القوات المسلحة الإسرائيلية هي تلك الوسائل المذكورة بطبيعة الحال.لكن ما هي الأهداف الستراتيجية.. إنها أكثر من هدف وتنتشر في أكثر من قطر عربي وتتوزع على مسلسل الحروب العدوانية التي تشنها إسرائيل على أمتنا العربية. وهي تتكامل وتشكل بمجموعها وحدة، فالهدف الأساسي مثلا هو بقاء إسرائيل، ثم العمل عل إضعاف العرب بكل الوسائل والطرق، بالسلم وبالحرب وهنالك هدف ضم أراض جديدة تغتصب من البلاد العربية كلما أمكن ذلك وواتت الظروف. وهدف المياه باغتصاب مياه الليطاني في لبنان وتحويل النيل إلى النقب، وهذا هدف على غاية الأهمية والخطورة لارتباطه بتكثيف الهجرة الصهيونية إلى فلسطين، بإقامة الصناعة الثقيلة مع تفرعاتها في إسرائيل، وباستصلاح الأراضي الصحراوية ونحويلها إلى أراض زراعية. ثم هدف الأهداف وهو تحقيق سيطرة إسرائيل على المنطقة العربية بعد العمل على تفسيخ مزقها الحالية الخ.

 

ولنورد فيما يلي خبرا نشرته مجلة ارمد فورس جورنال عن خطة تسليح مقدمة إسرائيل إلى وزارة الدفاع الأميركية تحت اسم مطمون ج، وفيه كل ما أكدناه أكثر من مرة في بحثنا هذا وهو صورة "دائرة" في دولة (وليس صورة دولة) ترفع إلى الرؤساء قائمة باحتياجاتها. وكما هي العادة يثور هؤلاء الرؤساء من تجاوز الطالب للحدود المرسومة فيستدعون رئيس الدائرة أو موظفا فيها لمناقشة ما ورد في الطلب، وقد تحصل القناعة أو لا تحصل.. تقول المجلة المذكورة*[5] ما نختصره: "إن وزير الدفاع الإسرائيلي (عيزر وايزمن) الذي سيصل إلى واشنطن في نهاية هذا الشهر ينتظر زيارة صعبة، ذلك لأن طلبات إسرائيل قد أثارت القلق والعصبية لدى الإدارة الأميركية لدرجة أن وزارة الدفاع الأميركية لا تعتزم الاستجابة إلى كل الطلبات الإسرائيلية حتى ما كان منها متعلقا بالحصول على الخبرة الأميركية التقنية.. وخطة مطمون ج. تتضمن:1- خطة لعشر سنوات بمنح مساعدة سنوية أميركية لإسرائيل بمعدل 1.5 مليار دولار. وبذلك تصل المساعدة الإجمالية المبلغ 22 مليار دولار إذا أُخذ بالحسبان مقدار التضخم المالي بمعدل 5%خلال هذه المدة. 2- تقترح إسرائيل تزويدها بكميات كبيرة من الأسلحة الثقيلة لتكون المخزن الأمامي لحلف الأطلسي.*[6] 3- التعاون المشترك بين الدولتين في صنع الدبابة اكس-ام. وصاروخ أرض-جو حديث، وطوربيد حديث، وتقنية حرب الغواصات بالتعاون مع حلف الأطلسي، وصاروخ جو متقدم ام-ال، وأجهزة للقتال الليلي-فلير-ميكرو أليكترونية حديثة بالإضافة إلى 25 طائرة ف15و150 طائرة ف-16...".

 

ولننظر فيما يلي إل[7]ى بيان حديث بمجمل القوى المادية لإسرائيل، مع العلم أن محتوى هذا البيان متفق عليه بشكل عام من جميع المصادر*. وفيه بعض المقارنات على اعتبار أن ما يعود إلى سوريا يشكل وحدة قياسية. وعلينا أن ننتبه إلى أن التفوق بعدد السلاح ليس شرطا لازما ولا كافيا للتفوق به في القتال، وإن كان من أحد أسباب هذا التفوق. فهنالك عوامل كثيرة تحكم هذا الأمر. ثم إن الأسلحة تتكامل بخواصها التقنية وتتعاون بصفاتها العملية في القتال. كما أن السلاح لا يواجه فقط مثيله عند الخصم في ساحات القتال وإنما يواجه عنده نظام أسلحته بكليته:

 

القوى البشرية:

يبلغ عدد سكان إسرائيل 3.300.000 نسمة بما فيهم غير اليهود، أي ما يعادل 0.375 وحدة قياسية.

 

القوى الاقتصادية:

الدخل القومي 16.4 مليار دولار، أي 1.78 وحدة قياسية. وعند العودة إلى الدخل المتوسط للفرد في كل من سوريا ولإسرائيل بناء على هذه الأرقام نجد أن دخل الفرد في إسرائيل لا يصل إلى خمسة أضعاف مثيله في سوريا. وهذا لا يدل على تقدم اقتصادي كبير في إسرائيل كما يتوهمه الكثيرون، لأن قطرنا السوري بلد من العالم الثالث أولا، ودخوله لا تخضع حتى الآن لإحصائيات موثوقة بالإضافة إلى أنها تتضمن حجوما كبيرة غير منظورة، فهي على الأغلب أعلى بكثير من كل الأرقام الرسمية المعطاة، ثم هنالك مليارات المعونات التي تنهال على إسرائيل من عالم المستعمرين.

 

القوات البريّة:

يبلغ تعدادها 140 ألف جندي عامل يرتفع عند التعبئة إلى 400 ألف جندي خلال 24 ساعة، وإلى 588 ألفا خلال 72 ساعة، أي ما يعادل 1.95 وحدة قياسية. وهنالك:

- 26 لواء مدرّعا (1.85 وحدة قياسية) مع 3600-3800 دبابة.

- 18 لواء مشاة ميكانيكية (1.28 وحدة قياسية) مع 4500 ناقلة جنود مدرّعة.

- 9 ألوية مدفعية مستقلّة، مع 1200 مدفع ميدان وهاونزر، في هذه الألوية وغيرها من القطعات.

- 6 ألوية مظّليين.

- طائرات عمودية (هليوكبتر) كافية لنقل لواء مغاوير، وغيرها للدعم ضد الدبابات وضد الأهداف الأخرى.

- عدة مئات من الهاونات الثقيلة: 120مم،160مم، 240مم.

- عدة مئات من مدافع عديمة الارتداد والمضادة للدبابات من عيار 106مم.

- قواذف صواريخ مضادة للدبابات من انواع: تاو، ودراغون، واس-11 مع مخزون يقدر بخمسة عشر ألف صاروخ لنوعي تاو ودراغون.

- 900 مدفع وجهاز إطلاق صواريخ مضادة للطائرات من طراز "ت" و"تشابارال" و"رداي" و" ستينفر" وتضم المدافع عيارات 20ممو30مم و40مم.

- ثلاث كتائب صواريخ أرض-أرض من طراز "لانس" بكل منها تسع مركبات إطلاق فردية، مع مخزون بنحو 218 صاروخا.

 

القوات الجوية:

يضم السلاح الجوي الإسرائيلي حوالي 688 طائرة قتال (1.32 وحدة قياسية)، على حين يقدر معهد الدراسات الاستراتيجية البريطاني في تقديره الأخير (1980-1981) عدد طائرات القتال الإسرائيلية بمقدار 481 طائرة مستبعدا بهذا 24 طائرة سكاي هوك و50 طائرة كفير مخصصة للتدريب مع أنها تملك قدرات قتالية. وتتوزع الطائرات كما يلي:

- 212 طائرة مقاتلة متعددة المهام ف-4 موزعة على ستة أسراب.

- 170 طائرة مقاتلة متعددة المهام كفير سي او2 موزعة على خمسة أو ستة أسراب.

- 40 طائرة مقاتلة متعددة المهام ف-15 تشكل سربا واحدا.

- 11 طائرة مقاتلة متعددة المهام من طراز ف-16 (7 منها مخصص للتدريب) لم يشكل منها سرب مقاتل بعد.

- 247 قاذفة هجوم أرضي من طراز سكاي هوك موزعة على ستة أسراب.

- 12 طائرة استطلاع ف-4، تشكل سربا واحدا، وبالإمكان تحويلها إلى طائرات قتال.

- تبلغ القوة النارية القصوى في الطلعة الواحدة للطيران الإسرائيلي 2826 صاروخا جو-جو (تُسلح الفانتوم و ف-15 بثمانية صواريخ، والكفير بأربعة، و ف-16 بستة) والقوة النارية بالقنابل في الطلعة الواحدة 2442 طنا (2.29 وحدة قياسية): تحمل الفانتوم 7250كغ، و ف-15 تحمل 5450كغ و ف-16 تحمل 5000كغ، والكفير 2850كغ، والسكاي هوك 3725كغ.

- تملك إسرائيل خمس عشرة بطارية صواريخ أرض-جو من طراز هوك المحسّن في كل بطارية منها ست منصات إطلاق، ولديها مخزون يقدّر ب 800 صاروخ.

 

القوات البحرية:

يضم سلاح البحرية الإسرائيلي قوة بشرية تتألف من 6600 جندي يرتفع عددهم إلى 10 آلاف عند التعبئة العامة، وفيه:

- ثلاث غواصات من طراز فيكرز 206.

- 22 زورق صواريخ، 12 منها من طراز "ساعر" والباقي من طراز "ريشيف". وإكمالي قوتها النارية 142 صاروخا سطح-سطح. منها40 صاروخا من طراز هاربون الذي مداه الأقصى 110كم، والباقي من طراز غبرئيل2.1. الأول مداه 22كم، والثاني 40كم.

- 28 زورق دورية ساحلية (بعضها مسلح بصاروخي غبرئيل1).

- 3 سفن إنزال دبابات مع 6 زوارق إنزال دبابات.

- 3 طائرات دورية بحرية.

- زورقان زلقان*[8] مسلحان بصواريخ "هاربون".

- كتيبة ضفادع بشرية تعدادها 300عنصر.

ملاحظات متفرقة*[9]: بالإضافة إلى ازدياد عدد الدبابات الإسرائيلية من 2400دبابة عام 1973 إلى 3600 حاليا، ركزت إسرائيل على الحصول على طرازات جديدة من الدبابات فزودت جيشها بإنتاج دبابتها المحلية "مركافا" واستخدمت منها حتى الآن 100-150 دبابة. وهي مزودة بمدفع 120مم وبنظام تدريع متطور.

- لدى إسرائيل 1000 مدفع ذاتي الحركة من مختلف العيارات، بالإضافة إلى المدافع المتطورة، للجمع بين كثافة النيران والحركة.

- لمواجهة التطور العربي في مجال الدبابات والمدرعات على العموم ركز الجيش الإسرائيلي على تطوير قدراته الدفاعية المضادة عن طريق الحصول على عدة آلاف من صواريخ م/د من طراز "تاو" المحمول على سيارات الجيب والعربات المدرعة وطائرات الهليوكبتر، ومن طراز "دراغون" الذي يطلق من الكتف.

- أبرز المستجدات البرية الإسرائيلية هو الحصول على 300 ؟؟؟...

- 600 صاروخ أميركي "لانس" تطلق من حوالي 200 منصة، ومداها 120كم ويمكن استخدامها ضد الأهداف الميدانية.

- عزز الجيش الإسرائيلي وسائل الاستطلاع والإنذار والتشويش الأليكتروني معتبرا ذلك بمثابة أنماط جديدة وأساسية للقتال في المنظومة الجوية لديه. فحصل على طائرات "أي-2، واي" القادرة على كشف مجال جوي نصف قطره 300كم. وبذلك يمكن توجيه المقاتلات الصديقة إلى أهدافها ضمن فترة إنذار كافية، بالإضافة إلى إنجاز مهمات الرصد والمراقبة الميدانية وإدارة المعارك البرية بالتعاون مع طائرات الهليوكبتر.

- تستخدم إسرائيل أيضا "طائرات "بوينغ-707، وسي-97" محوّلة خصيصا لأغراض الاستطلاع والتشويش الأليكتروني، للقيان بالرصد والمراقبة الميدانية وإدارة المعارك البرية بالتعاون مع طائرات الهليوكبتر.

- وهناك الطائرات الخفيفة بدون طيار مثل "سكاوت" و"ماستيف". وقد حصلت إسرائيل أيضا إلى هنا على طائرتين أميركيتين متطورتين من طراز "اي في-2 موهوك "للأغراض الألكترونية".

- ادخل سلاح الجو الإسرائيلي إلى الخدمة طرازين من طائرات الهليوكبتر الهجومية الأميركية الصنع، وهما "أ.ه كوبرا" المتوسطة، والأخرى"هيوز-500ديفندر" الخفيفة. ويستخدم هذان الصنفان في مهمات مقاومة الدبابات وتقديم المساندة القريبة للقوات البرية. وهما مزودان بصواريخ "تاو" وبرشاشات.

- إن الطائرات الإسرائيلية مزودة بأنظمة متكاملة من الأسلحة الموجهة: جو-أرض، لقصف الرادار العدوة، والدفاعات ضد الطيران مسافات بعيدة لا تتعرض فيها تلك الطائرات لأخطار الإصابة. وأهم هذه الأسلحة الصاروخان "شرايك" و "ستنداردارم" الأميركيين، والصاروخ الإسرائيلي "لوز".

- وتتزود أيضا الطائرات الإسرائيلية بصواريخ تكتيكية من طراز"مافريك" لضرب المدرعات والآليات، وبقنابل موجهة بأشعة الليزر، والأشعة تحت الحمراء، والإحداثيات التلفزيونية، وبالقنابل السابحة، والعنقودية.

- دخلت مقاتلات "ف-15 إيفل" إلى خدمة سلاح الجو الإسرائيلي لمهام الاعتراض، والمطاردة. والكمائن الجوية، وحماية القاذفات الإسرائيلية المتوجهة لتنفيذ مهمات قصف ستراتيجية في الأعماق العربية.

- "ف-16" لمهمات السيطرة الجوية الميدانية والقصف على ارتفاعات منخفضة.

- كفير. طائرة متعددة المهمات، وعلى الأخص تحقيق السيطرة الجوية الميدانية، ومجابهة مقاتلات المساندة التكتيكية العربية.

- عماد القوة الجوية الإسرائيلية ما يزال حتى الآن مؤلفا من المقاتلة "ف-4فانتوم" المستخدمة في مهمات القصف والاختراق من جهة، والمطاردة والاعتراض من جهة أخرى.

 

القتال على السطح

 

إن كل مستوطنة في فلسطين وفي الأراضي العربية الأخرى التي احتلتها إسرائيل تشكل نقطة مقاومة. ويشكل خط المستوطنات خط مقاومة. وعلى هذا الأساس تقدم العمل طيلة حياة إسرائيل الماضية بحيث أصبحت كل الأراضي العربية المحتلة (فلسطين وغيرها) مغطاة تقريبا بخطوط المستوطنات المتتابعة: من كل حد وصلت إليه إسرائيل حتى قلبها

إن هذا النظام يهدف للإعداد للقتال على السطح الذي يقوم على:

-  قوات الجيش العامل.

- قوات الدفاع الإقليمي التي انضمت إليها مؤخرا قوات الدفاع المدني. وتتبع هذه القوات في تقسيماتها التقسيمات الإدارية، ولكل قسم منها أجهزته القيادية. وفي حالة انشغال قوات الجيش بمسرح بعيد يقع عبء الدفاع على السطح على القوات الإقليمية هذه.

 

الابتزاز النووي الإسرائيلي

 

سبق وأشرنا إلى أن إسرائيل قد أعدّت مخزونا نوويا ترهب به العرب في كل حرب مقبلة. وهي تنشر بكل الصور غير المباشرة (لأنها لم تعترف رسميا بعد بامتلاكها للمخزون النووي المتفق على تقديره بثلاث عشرة قنبلة نووية) المقولة التالية: إن خسارة إسرائيل للحرب هي خسارة وجودها أيضا، فعلى العرب إذن أن لا يفكروا أبدا بالحرب ضد إسرائيل، فهم إما خاسروها، أو خاسرو أنفسهم بالقنابل النووية الإسرائيلية عند قيام احتمال انتصارهم.

ومن الواضح أن هذا ابتزاز يقصد به تحويل العرب إلى "غنم" خائفة من إسرائيل "الذئب".. وقد سبق وقلنا إن فلسطين مع الأراضي العربية الأخرى المحتلة لا تكفي للانتشار الضروري للسلاح النووي الإسرائيلي الذي يبقى (مع عنق إسرائيل) بمتناول يد العرب في كل وقت يصممون فيه على مواجهة هذا العدو بجدية.

 

الصناعة الحربية الإسرائيلية

 

لنبتدئ هذه الفقرة بقرار لمجلس الشيوخ الأميركي حول دعم "الصناعة الحربية الإسرائيلية" وهو بنصّه أسبه شيء بقرار إنشاء صناعة منه بقرار تقديم مساعدة لدولة مفروض فيها أن تكون أجنبية بالنسبة إلى أميركا. يضاف إلى هذا ان محتوياته تنبؤنا أيضا عن حقيقة الصناعة الإسرائيلية (الحربية وغير الحربية) التي تفتقر إلى قاعدة مادية بعيدة جدا عن أن تكون شروطها الواقعية وظروفها الاجتماعية متوفرة بشكل مقبول في إسرائيل، على الرغم من كل الدعايات والأوهام حولها.ففي إسرائيل في الواقع بعض الصناعات الخفيفة كصناعة النسيج والأدوية وبعض الكيماويات الأخرى وتقطيع وصقل الماس للأغراض الصناعية وأشباهه. إلا أنه لا توجد فيها بالمعنى العلمي صناعة ثقيلة تنتج دبابات وطيارات مثلا. فما تدّعي أنه من إنتاجها في هذا المجال ما هو إلا عملية تجميع لمختلف قطع مصنوعة في أوروبا وأميركا. ولننظر الآن إلى قرار مجلس الشيوخ المذكور*[10] إن الأمن القومي والاقتصادي والسياسة الخارجية للولايات المتحدة ستربح من دعم إسرائيل وزيادة مقدرتها على البقاء والاستمرار. كما أن دعم القدرة الذاتية لإسرائيل بتأمين الموارد لتزويد نفسها بجزء كبير من متطلباتها الدفاعية الشرعية سيخفف من المساعدة المالية الأميركية قدر المستطاع. ودون مخالفة لأنظمة الأمن والسرية، بحيث يمكن لها أن تنتج على أراضيها ولاستخدام قواتها قطعا وأجزاء من العتاد العسكري الأميركي ( طبعا لن يخل هذا بنظام الأمن والسرية الأميركي ما دامت إسرائيل جزءا من النظام الإمبريالي الأميركي العالمي: من عندنا)..وكذلك تأييد مشاريع إقامة صناعات عسكرية مشتركة، على أن يشكل ذلك قطعا تُنتج في إسرائيل، ومساعدة إسرائيل على إرسال معداتها العسكرية للإصلاح في أوروبا، نظرا لأنه بالإمكان تنفيذ ذلك هناك بكلفة أقل من إرساله إلى الولايات المتحدة الأميركية" ولنورد فيما يلي بعض الأمثلة عن الصناعة الحربية الإسرائيلية*.[11]

 

صناعة الطيران:

إن كل الدراسات الأساسية في مجالات الميكانيك والإيروديناميك مستوردة من أميركا، مع القطع الأساسية للطائرة التي من أبرزها المحرّك. وقد بعثت جماعة تُطلق على نفسها اسم "حركة شينوي" برقية إلى وزير الدفاع تقول فيها:" يجب العمل فورا على إقالة إدارة الصناعة الجوية، وذلك بعد أن أبرز تقرير مراقب الدولة بعض الحقائق التي كانت معروفة منذ عدة سنين تتعلق بتضليل مقصود يقوم به أعضاء إدارة الصناعة الجوية لخداع وتضليل الشعب بكامله في الأمور المتعلقة بالإنتاج والمبيعات وظروف العمل في الصناع الجوية.. إن الصناعة الجوية تنفق ملايين الليرات على شبكة من العلاقات العامة التي أُعدّت لتغطية عيوب الإدارة والاستخدام غير المناسب للأموال..".

 

إن طائرة "هاعرفا" مثلا التي ذُكر أن تكاليف إنتاج السبع عشرة طائرة الأولى منها 97 مليون ليرة إسرائيلية، لم يُبع منها إلا بمبلغ 42 مليون ليرة فتكون الخسارة 55 مليون ليرة. وهنالك طائرة أخرى "ويستويند" ثم إنتاج 36 طائرة منها بيعت معظمها بخسارة 11 مليون ليرة*[12].

 

وفي الواقع تقوم حول المبالغ الهائلة للمساعدة الأميركية مسلسل عمليات متنوعة من الغش والاحتيال واللصوصية يمتد من منطلق هذه المعونات في الولايات المتحدة الأميركية وينتهي بإسرائيل، ويساهم في إخراجه شيوخ ورجال أعمال أميركان ممن لهم مصلحة في تصدير بضائعهم، وكذلك البيرقراطية الإسرائيلية التي نسمع كل يوم المزيد من فضائحها.

 

الصناعة الأليكترونية:

إن مصنع "تاديران" للاتصال الأليكتروني، هو امتداد لمؤسسة "جنرال تليفون ألكترونيك" الأميركية التي تساهم فيه بنسبة 50% وتمده أيضا بالخبرات التقنية وبالقطع الأساسية للإنتاج.

 

صناعة الدبابات:

صرّح كارتر*[13] بأن أميركا ستساعد إسرائيل في إنتاج الدبابة "الإسرائيلية مركافا". وفي الواقع أن المحرك مع الخبرات التقنية مقدمة من أميركا، ولم يبق لإسرائيل إلا التجميع لمختلف القطع. وكانت إسرائيل قد طلبت من الولايات المتحدة الأميركية منحها 106 ملايين دولار بدلا من 178 دبابة "ام-60" كان من المقرر منحها إياها، وذلك لإنتاج الدبابة وتطويرها بمساعدة الخبرة الأميركية.

 

صناعة صواريخ غابرئيل:

وتقوم بها شركة صناعة الطائرات الإسرائيلية المشار إليها أعلاه. وهذه الصناعة كسابقاتها، لا يتم منها في لإسرائيل سوى الأقسام البسيطة كالغلاف الخارجي، وما شابه.

 

الصناعة البحرية الحربية:

يمكن لإسرائيل أن تضع هياكل وتصفيح جميع زوارقها، ثم تقوم بتركيب المحركات ولوحات القيادة ومختلف الأجهزة والأسلحة التي تستوردها جميعها من الخارج.

 

صناعة أسلحة الميدان:

إن تصنيع هذه الأسلحة لا يختلف عما سبق، فالأجزاء الأساسية، كالسبطانات التي تتحمّل ضغوطا عالية، والماسكات في المدافع، والأجهزة المختلفة للقيام بالقياسات الدقيقة وما شابه تُستورد كلها من الغرب المتقدم.

 

إن الذي يستلفت النظر ويثير الدهشة هو أن ما تصنعه إسرائيل لا يمنعها من استيراد مثيله من أميركا: إنها مثلا تصنع رشاش "عوزي" بينما تسلح مشاتها بالبندقية الأميركية الأكثر تقدما، وبصورة أعم ما يزال الجيش الإسرائيلي يعتمد كليا على أميركا بتسلحه. وقد يكون الجواب على هذا التساؤل أن إسرائيل تُنتج تلك الأسلحة للتصدير وليس لاستعمالاتها الخاصة قيما لو كانت الأسواق العالمية مفتوحة أمامها. إلا أن الأمر على العكس من ذلك. فمعظم دول العالم الثالث تقاطع إسرائيل، وهي تشكل السوق الأول لتجارة الأسلحة في العالم بسبب تخلف صناعاتها وعجزها عن إنتاج أسلحتها الضرورية لها للدفاع عن نفسها، ويُضاف إلى هذه أنها تفضّل شراء أسلحة أكثر تقدما تُصنع في الغرب أو في الشرق. أما الدول المتقدمة فلا حاجة بها إلى الصناعة الإسرائيلية لتسليح جيوشها. بل نحن نشاهد إسرائيل تستميت في كثير من الأحيان للحصول على منتوجات بعض الدول الغربية من الأسلحة، كما حدث مثلا في العملية الشهيرة عندما أقدمت المخابرات الإسرائيلية على سرقة الزوارق الفرنسية من ميناء شربورغ. والتفسير الوحيد لهذا الأمر يكمن في البيرقراطية العسكرية الإسرائيلية التي ترغب أن تؤسس لنفسها مجالات أوسع للعمل حتى لو كان هذا العمل غير مجز من الناحية الاقتصادية. ويضاف إلى هذه ما سبق أن ذكرنا من أن الحجوم الهائلة للمساعدات الأميركية "تجذب" إلى ساحات تأثيرها مختلف الجماعات الباحثة عن المكاسب "السهلة" ومثل هؤلاء يعودون بدورهم فيؤثرون في توجيه هذه الأموال نحو أبواب غير مفيدة كصناعة أسلحة تتلقى إسرائيل مثلا أفضل منها عن طريق المساعدة الأميركية.

 

إن الشروط الأساسية لنجاح الصناعة المتطورة في هذا العصر لم تجتمع إلا للقليل من دول العالم التي تلتقي في مقدمتها الدولتين العظميين: الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة الأميركية. والصناعات العسكرية تجمع خلاصة كل ما أُنجز من تقدم تقني في مختلف فروع الإنتاج العصري الحديث. وليس هذا فحسب، فبسبب التسابق في التسلح بين المعسكرات المتعادية نجد أن إنتاج الأسلحة يتطلب أكثر من أي إنتاج آخر تكاليف باهظة، وخبرات عالية وتطويرا مستمرا وأيد عاملة شديدة الاختلاف في التخصص. ومواد أولية كثيرة التنوع ومخابر ومعامل الخ.. وباختصار ترتبط الصناعة العسكرية مباشرة بالصناعة الثقيلة الكاملة من كل الأوجه، الصناعة القادرة على إنتاج وسائل الإنتاج بكامل أجزائها وبكل أنواعها: إن أي سلاح كالطائرة والدبابة والمدفع والرشاش والبارودة، من حيث الجوهر، مكنة كأي مكنة أخرى. والسلاح يتطلب على العموم أيضا دقة عالية في صنعه، ويتطلب تماثلا، وذلك عدا الصفات التقنية الأخرى: إن المحراث مثلا لا يتطلب دقة كبيرة في صنع سكاكينه، كما لا يهم إطلاقا تحقق التماثل التام بين محراثين من طراز واحد يعملان معا. أما المدفع عيار 120مم مثلا في كتيبة مدفعية فإن دقة الصنع في سبطاناتها تكون مرتبة الميكرون، والتماثل بين مدافع الكتيبة لا بد من أن يكون قريبا جدا حتى يكون المدفع الواحد منها نسخة طبق الأصل تقريبا عن الآخر. إن المدفع في الواقع جهاز قياس بالستي دقيق (يُعطي المسافة البالستية) ويُعد في الإنتاج من الصنف الأول في مجال دقة المصانعة.

 

وقد قلنا أن لا بد للصناعة من أسواق، ولا يكفيها جيش البلد الذي تقوم فيه ليشكل لها سوقا. وطلبات أسواق الأسلحة تتدرج في مجال الحداثة: إن أميركا مثلا تزود جيوشها أولا بأحدث طراز لديها من كل سلاح، أما الطرازات الأخرى الأقل حداثة فتوزع على الأسواق العالمية بحسب "الزبون" وهنالك المنافسة بين مختلف الدول وتجار الأسلحة على الأسواق. كل هذا وغيره (مما يعجز الدول الكبرى القادرة) فوق مستوى إسرائيل الدولة-القاعدة التي لا يتجاوز عدد سكانها بكثير عن الثلاثة ملايين نسمة في الوقت الذي تعيش فيه على المساعدات الدائمة. أما خطرها فهو من الصناعة الحربية الأميركية التي تصلها بأسرع وأسهل وأرخص مما تصل به إليها منتوجات صناعتها الحربية القائمة في الأرض المحتلة. تقول يديعوت أحرونوت*[14]:"رددت إسرائيل أنها ستكون دولة عسكرية عظمى عندما تتمكن من بيع ما تصنعه من دبابات "شيفتن" *[15] للبريطانيين وطائرات "ميراج" للإفرنسيين، وطائرات "فانتوم" للأميركيين. وستكون إسرائيل "دولة عظمى" عندما تضمن قاعدة اقتصادية تبيع منتجاتها لأسواق العالم.. وقد تضخمت مثل هذه الأقوال في رؤوس جميع الرجال حتى وصلت إسرائيل إلى يوم الغفران..".



[1] الاستراتيجية العسكرية. بإشراف المارشال سوكولوفسكي ص 69 ع.

[2] المرجع السابق ص 14 ع .

[3] إن تجاوز الأنظمة العقبات في وطننا الكبير أمر ممكن قد سبق أن تحقق في الخمسينات من القرن العشرين، فشاهدنا الملايين الهادرة من أقصى المشرق العربي إلى أقصى مغربه تقتلع مرتكزات الاستعمار والرجعية. وبلغ زخم الجماهير ذروة قوته في فترة ميلاد الوحدة الرائدة المصرية-السورية.

[4] كتب يوري دان الذي شارك في إعداد كتاب التقصير في صحيفة معاريف: إن الطريق الوحيد أمام إسرائيل هي القيام بهجوم شامل ومحكم وسريع على كل قواعد منظمة التحرير واحتلال أقسام واسعة في لبنان وبضمنها العاصمة بيروت ورفض الانسحاب بعد ذلك من الآرض اللبنانية إلا ضمن الشروط التالية: إقامة نظام حكم مسيحي، منع عودة المنظمة إلى لبنان خروج الجيش السوري من لبنان (عن دراسات فتح 10/9/1979).

[5] ترجمة الأرض. العدد 7/2/1978.

[6] سبق أن رأينا أن ليفي اشكول قال لصحيفة جيوش اوبزرفر أن إسرائيل هي حصن متقدم للغرب.

[7] عن الكفاح العربي.عدد 21/10/1980.

[8] الزورق الزلاق يكون مستوى القعر وينزلق على الماء بدفع مروحة هوائية.

[9] الأنباء. الأعداد من 22-27/9/1980.

 

[10] الأرض. عدد 21/7/1977.

[11] الأرض.عدد21/7/1977

[12] الأرض.عن هاتسوفيه عدد 2/11/1975

 

[13] هاآرتس. 15/5/1977

[14] يدعوت أحرونوت 28/6/1974

[15] إن الكاتب الإسرائيلي يسخر من العسكريين الأدعياء فدبابات شيفتن في الواقع بريطانية والميراج فرنسية والفانتوم أميركية.