إسرائيل والمياه العربية

عفيف البزري

1984

 

مياه فلسطين وما حولها

 

كل إقليم على سطح الأرض ينقسم إلى عدد من المناطق الهيروغرافيّة ـ المائية، بحيث تشكل مياه كل منطقة من هذه المناطق جملة مائية مترابطة لا ينفصل بعضها عن بعض أبدا.

 

فالينابيع والأنهار والسيول والمياه الجوفية والآبار في منطقة هيدروغرافية واحدة، تتأثر كلها بعضها بالبعض الآخر، وترتبط ببعضها البعض بتضاريس الأرض وطبقاتها على حسب قوانين فيزيائية يمكن تحديدها ـ بحيث تشكل جميعها كلاّ واحدا لا يتجزأ. والمساس بطرف هذه الجملة لا بدّ من أن يؤثّر بكيفية ما بالأطراف الأخرى منها: حفر سلسلة من الآبار مثلا واستثمارها يؤدي إلى جفاف سلسلة أخرى من الآبار في مكان قريب أو بعيد. وعند القيام بدراسة كاملة لهذه الجملة، من النواحي الجغرافية والجيولوجية والفيزيائية نتمكّن من اكتشاف قوانين ارتباطاتها وبالتالي، اكتشاف الطرق الآيلة إلى التحكم بها، وتتصل المناطق الهيدروغرافية بعضها بالبعض الآخر، في الإقليم الواحد، أو حتى في عدد من الأقاليم، بما تشترك به من خواص جوية تقوم على النظام العام للأمطار والثلوج في الإقليم، وبالأنهار السطحية والجوفية التي يمكن أن تجري من منطقة هيدروغرافية إلى أخرى.

 

إن الأمطار والثلوج الذائبة، التي تتشرب مياهها في طبقات الأرض، هي التي تغذي الينابيع والآبار. فحيث لا مطر ولا ثلوج توجد الصحارى. ونجد في فلسطين وما حولها عددا كبيرا من المناطق الهيدروغرافية المختلفة الخواص. ويمكن تصنيفها في الفئات التالية:

 

أ ـ في فلسطين:

1 ـ النقب: وبالإمكان اعتباره منطقة هيدروغرافية صحراوية واحدة، لتشابه أحواله الجغرافية والجيولوجية.

2 ـ السهل الساحلي: ويُقسم إلى قسمين بمرتفعات يعبد ـ أم الفحم ـ رأس الكرمل : الأول يمتد من رفح حتى حيفا، والثاني يمتد من حيفا إلى الناقورة. ويمكن أن نُلحق به وادي مرج عامر.

3 ـ المرتفعات الداخلية التي تضم: مرتفعات الخليل، والقدس، ومثلث نابلس ـ جنين ـ طولكرم. وهذه المرتفعات التي تسير في اتجاه جنوب ـ شمال تدور عند جنين، لتتجه رأسا إلى الغرب وتشكل مرتفعات: يعبد ـ أم الفحم ـ رأس الكرمل، مع ممر شهير تاريخيا هو ممر مجدو الذي يصل مرج ابن عامر بالسهل الساحلي جنوب حيفا.

4 ـ مرتفعات الخليل.

5 ـ خط الأغوار ويتضمّن: سهل الحولة، أغوار الأردن من طبرية والحمة إلى البحر الميت ـ وادي عرابة الذي نعتبره ممتدا على خليج العقبة.

 

ب: الأردن، وهذه الفئة الهيدروغرافية تشترك مع فلسطين بمناطق الأغوار: من جسر المجامع حتى العقبة. وتلاحظ فيها:

1 ـ المجرى السفلي لنهر الزرقاء الذي يرفد الأردن قرب جسر دامية.

2 ـ المجرى السفلي لنهر اليرموك الذي يرفد الأردن قرب جسر المجامع.

3 ـ مختلف السيول التي تهبط إلى الأغوار من المرتفعات الأردنية.

ج ـ في سوريا:

1-     الحرمون.

2-     الجولان.

3 ـ وادي اليرموك.

 

د ـ لبنان:

1 ـ الحرمون.

2 ـ وادي الحاصباني.

3 ـ مرج العيون.

4 ـ وادي الليطاني الأسفل.

إن المناطق الهيدروغرافية في فلسطين والأردن تقع تحت التأثير الشديد للصحارى العربية: سيناء، والشامية، والنفوذ الكبرى. وليس هنالك حواجز جبلية بارتفاع كاف تستقطر رطوبة الجو (الآتية بتيارات الهواء البحري) وتحولها إلى أمطار وثلوج. فنجد لذلك أن أمطارها لا تزيد عن 600ملليمتر سنويا. ولنأخذ بشيء من التفصيل المناطق السورية واللبنانية، فنقول:

 

أولا: المناطق الهيدروغرافية السوريةـاللبنانية وامتدادها إلى فلسطين:

يشكل الحرمون الذي يزيد ارتفاعه على ألفين وثمانمائة متر عن سطح البحر، مع هضبة الجولان: خزّان مياه المنطقة الجنوبية لبلاد الشام: الحوضة الدمشقية التي يسقيها نهر الأعوج الذي ينبع من عرنة على سفح الحرمون، حوران وفيها ينابيع وعرة الزاكية ونهر اليرموك، وأغوار الأردن الذي ينبع من سفوح الجبل المذكور مع روافده. فمليارات أطنان الثلوج التي تتساقط على قمم جبل الشيخ والأمطار الغزيرة التي تنهمر على سفوح هذا الجبل وعلى هضبة الجولان والتي يتجاوز الألف وثلاثمائة ملليمتر سنويا، تتسرب كميات كبيرة منها بعد تغذية مياه السطح بعيدا في أعماق الأرض لتشكل المياه والأنهار الجوفية التي تغذي الينابيع المذكورة آنفا في بلاد الشام الجنوبية.

 

إن التقديرات الحالية لكميات المياه التي تنحدر أو تتسرب من المرتفعات الآنفة الذكر إلى وادي الأردن، فتشكل أنهاره وعيونه ومياهه الجوفية وسيوله، تصل بسهولة إلى ملياري متر مكعب سنويا. ويقدر الصهاينة المياه التي تسيل بانتظام على نهر الأردن، وذلك في مقترحاتهم ومشاريعهم المقدمة لمشاركة العرب بمياههم: مثل مشروع هايزـ سافج المقدم عام 1946، ومشروع جونستون المقدم عام 1953، كما يلي*[1]:

ـ 157 مليون متر مكعب لنهر بانياس (ينبع من سوريا)

ـ 157 مليون متر مكعب لنهر الحاصباني (ينبع في لبنان)

ـ 258 مليون متر مكعب لنهر دان (ينبع من تل القاصي في فلسطين)

ـ 130 مليون متر مكعب من ينابيع متفرقة.

 

ويشكل هذا المجموع المياه المنتظمة الأردن قبل بحيرة طبريا، ويساوي 702 مليون متر مكعب سنويا. وهو يصل بسهولة إلى أكثر من 800 مليون متر مكعب إذا أضفنا إليه ما يرد من مياه السيول. وهنالك نصف مليار متر مكعب تأتي سنويا من ينابيع بحيرة طبريا، منها 150 مليون متر مكعب من المياه العذبة من ينابيع غرب البحيرة، و 350 مليون متر مكعب من المياه المالحة من ينابيع في شرقي البحيرة. وتضاف على ما سبق مياه نهر اليرموك مع رافديه: علاّن والرقاد، البالغة عن المقارن نحو 558 مليون متر مكعب*[2].

 

ثانيا: المناطق الهيدروغرافية اللبنانية هدف المطامع الصهيونية:

احتل العدو الصهيوني الشريط الحدودي في لبنان، ووضع صنيعته الخائن سعد حداد حاكما عليه. فسيطر بهذا على بعض سفوح الحرمون الغربية، وعلى مرج العيون الغزير المياه.ولكن الصهاينة يوجّهون أطماعهم الرئيسية إلى مياه الليطاني الغزيرة التي يمكن أن تزودهم بأكثر من مليار متر مكعب من المياه، فيضاعفون بهذا طاقاتهم المائية: للحاجات الشخصية، وري الأراضي، والمتطلبات الصناعية الحديثة.

 

وينبع الليطاني من رأس العين قرب بعلبك، ويصب في البحر الأبيض المتوسط، على بعد تسعة كيلومترات شمالي صور. وطوله 145 كم. وتغذيه من منبعه إلى مصبه أضخم مصادر مياه المنطقة الشامية: ينبع من سفوح جبال المنيطرة المتفرعة عن الجبال المحتوية أعلى ذرى لبنان الغربية:

 

القرنة السوداء (3088م) والأرز (3069م) وظهر القضيب (3029م). الذرى التي تغطيها مليارات أطنان الثلوج في شتاء كل عام. ويساير سفوح جبال صنين، فالباروك. ثم يستدير ويتجه غربا عند مرتفعات أرنون ـ الشقيف، ويبدل اسمه عندئذ فيسمى "بالقاسمية"، ويصب في البحر أخيرا. وفي أثناء جريانه هذا، تنهال عليه ملايين الأمتار المكعبة من مياه السهول الموسمية وعيون السفوح المحيطة به، وترفده الروافد الغزيرة التي من أهمها البردوني الشهير. وقد أقامت الحكومة اللبنانية عند القرعون سدا على هذا النهر، وتكونت بحيرة القرعون وراء هذا السد. وهذا المشروع لم يفد إلا لتوليد الطاقة الكهرمائية دون الإفادة منه لري الأراضي، وسنعود إلى هذه المسألة مرة أخرى فيما يلي من البحث.



[1] الاستثمار الموحد لموارد المياه في وادي الأردن. تقرير تشارلز ماين. بوسطن 1953. ص7. وهذا التقرير لا يتضمّن الرقم الأخير للينابيع المتفرقة وهو 130 مليون متر مكعب.

 

[2] الاستثمار الموحد لموارد المياه في وادي الأردن. تقرير تشارلز ماين. بوسطن 1953. ص7. وهذا التقرير لا يتضمّن الرقم الأخير للينابيع المتفرقة وهو 130 مليون متر مكعب.