الفصل الرابع

باكورة الاستقلال

 

طموحات قومية وأطماع استعمارية

 

مرّ معنا فيما سبق من هذا البحث أن فكر القومية وبعث كيان الأمة العربية ما كان أبداً في سورية بفضل حزب أو فئة محدودة من الناس. فالوعي القومي نشأ في الأوساط العربية منذ زمن طويل، ربما منذ أن تنافس العرب والعجم على الحكم في دار الإسلام. وأشرنا إلى أن الجماهير السورية، وخاصة منها جماهير المثقفين، كانت بعد الانتصار على الأجنبي المستعمر وإجباره على الجلاء عن أرض الوطن ممتلئة حماسة وإرادة لتحقيق كل تقدم ممكن في هذا القطر. وكان ذلك، كما هو معلوم، في نهاية الحرب العالمية الثانية وفي ظروف محلية وعالمية يتجدد فيها بناء العالم فتقوم التغيرات الهائلة في كل مكان على الكرة الأرضية. وقد دارت حينذاك الطموحات الوطنية حول محورين رئيسيين:

الأول: تعزيز استقلال سورية بالعمل على تحديث بناء مختلف مؤسساتها الوطنية لتلحق بركب التقدم؛

الثاني: الكفاح من أجل تحقيق الأهداف القومية بإنقاذ فلسطين وتحقيق الوحدة العربية.

ولكن مسألة فلسطين كانت بالنسبة إلى الجماهير السورية من كل الاتجاهات الوطنية تأخذ مكان الصدارة وتدفع الجميع إلى الكفاح من أجل تحقيق شعار: "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة" مع الصهاينة.

ونجد في النتيجة أن الجماهير السورية بطموحاتها هذه وجدت نفسها عند تحقق جلاء المستعمر عن أرض الوطن وجهاً لوجه أمام العبودية الرأسمالية العالمية التي كانت حينذاك في سبيلها للتحول إلى الشكل الأميركي الجديد: وحدة الوطن العربي بعد إنقاذ فلسطين من براثن الصهاينة وتحديث مؤسسات أي جزء من هذا الوطن ليتخلص من التبعية الاستعمارية في معاشه هي ثورة إنسانية كبرى تعارض تماماً مخطط الأميركان حينذاك عندما كانوا منهمكين في بناء إمبراطوريتهم العالمية وتزيل أيضاً الاستعمارين البريطاني والفرنسي من الوجود. لذلك أخذت الهجمة الاستعمارية في تلك الظروف على المشرق العربي أقصى جديتها وشدتها، وعلى الأخص في اتجاه سورية ولبنان بلدي العالم الثالث اللذين انطلقا وتحررا حينذاك من كل ارتباط قانوني: بمعاهدة مثلاً أو قاعدة، بأي طرف استعماري في العالم وأصبح قرار توجيه سياستهما أمراً داخلياً صرفاً تتخذه السلطات القائمة في كل منهما. وقام المستعمرون أيضاً بالتعجيل ببناء الكيان الصهيوني في فلسطين ليكون قاعدة يعملون منها على إيقاف وتعطيل المسيرة العربية في اتجاه تحقيق أهدافها القومية. ولنجمل الوضع العام في سورية الطبيعية في الفترة المنقضية بين جلاء المستعمرين الفرنسيين عن لبنان وسورية وبين وقوع أول انقلاب عسكري في القطر العربي الأخير بإعطاء الصورة التالية:

        - تمتعت الجماهير في حدود الأحوال المادية التي خلّفها المستعمرون، في مجتمعي سورية ولبنان، بأجواء ضعف التأثير الاستعماري بسبب انعدام الارتباط القانوني بقدماء المستعمرين الذين أنهكتهم الحرب العالمية الثانية وتأخر قيام الاستعمار الجديد بنظامه العالمي. فنتج عن هذا الوضع، في هذه المنطقة من العالم، نوع من الشذوذ (العابر على كل حال) في النظام العالمي الذي كانت تعمل الولايات المتحدة الأميركية على تحويل علاقاته الاستعمارية القديمة إلى علاقات استعمارية جديدة كنا وصفناها فيما مضى من هذا البحث. ثم إن الديكتاتورية لا بد لها من سند استعماري لتقوم في بلد من العالم الثالث كسورية ولبنان الأمر الذي لم يقع في تلك الظروف التي كان فيها جلاء المستعمرين القدامى جديداً وكان نتيجة لجهاد قامت به كل الفئات الوطنية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار فلم يكن باستطاعة أحد في تلك الأجواء أن يمد يده إلى المستعمرين كي يساعدوه في الاستيلاء على الحكم كما حدث عام 1949 عندما استفاد حسني الزعيم من ظروف الهزيمة في فلسطين وظروف إساءات الحكم الوطني البورجوازي. لكل هذا وأشباهه قام في القطرين العربيين المذكورين ذلك الوضع غير المنسجم مع النظام الرأسمالي العالمي المضعضع حينذاك فتمتعت لذلك جماهير هذين البلدين في تلك الفترة، سيما في أولها، بحرية قلما يشاهد مثلها حتى فيما يسمونه البلاد العريقة بالديمقراطية الرأسمالية المتقدمة. فقام لذلك صراع متكافئ، على العموم، بين القوى الاجتماعية اليمينية من جهة والقوى اليسارية من جهة أخرى، وكان ذلك طالما بقي كل طرف من هذين الطرفين لا يخلّ بقانون "اللعبة" فيقوم بعملية "غدر" غير ضرورية ومؤذية في ذات الوقت.

        - بعدما جلت جيوش المستعمرين عن سورية ولبنان قامت بريطانيا بإجراء تعديل ظاهري لا يغير شيئاً من علاقاتها الاستعمارية بالقطرين الأردني والعراقي: أُبرمت معاهدة استقلال الأردن عام 1946 وتعديلها عام 1948، وتعديلاً لمعاهدة 1930 مع العراق دعي بمعاهدة صالح جبر ـ بيفان. وكان هذا الإجراء البريطاني لتسهيل المشاريع الاستعمارية لهذه الدولة في المنطقة كإقامة وحدة بين سورية والأردن مثلاً أو بين سورية والعراق، فلا يعترض الوطنيون في سورية على مثل هذه الوحدة بسبب علاقة الأردن أو العراق ببريطانيا. والواقع كان كل من الأردن والعراق محكوماً من قبل مدرسة سياسية أسسها عميل المخابرات البريطانية الشهير لورانس، وكانت بريطانيا تعتمد على هذه المدرسة في رعاية وحفظ علاقاتها الاستعمارية في المنطقة، ولم تكن تدري أن تغيرات العصر ستطيح بإمبراطوريتها الاستعمارية في كل العالم لصالح الاستعمار الأميركي.

        - انهمك المستعمرون جميعاً، وفي مقدمتهم أميركا وبريطانيا، في إقامة الكيان الصهيوني في فلسطين، وفشلت الحركة الوطنية العربية في منع وقوع هذه الجريمة الإنسانية الشنيعة بحق الشعب الفلسطيني عندما قامت بممارسة عملية التحرير في قفص المستعمرين، وأوكلت قيادة هذه العملية إلى متآمر مع المستعمرين الإنجليز هو عبد الله بن الحسين الذي عمل على تسليم أكثر من نصف ما خصص للعرب بقرار التقسيم إلى الصهاينة ليضم "مؤقتاً" إلى مملكته الكرتونية بعض "أشلاء" فلسطين ويسمي نفسه ملكاً للأردن بدلاً من شرقي الأردن.

سقوط الإقطاع إثر جلاء المستعمر

 

كان بذخ أبناء العائلات الإقطاعية وتبديدهم المال عبثاً فيما لا طائل تحته وحماقاتهم وحكايات تهتكهم وأخبار رحلاتهم وارتيادهم أمكنة الفساد بمختلف أنواعه في عواصم القطر والمنطقة وأوروبا وقصص ظلمهم للفلاحين وبقية المستضعفين في المدن وكسل وتخلف شبابهم في المدارس عن رفاقهم أبناء الفئات الاجتماعية الأخرى وكل ما شابه هذه الأمور من علامات التفسخ والانحطاط الاجتماعي يثير في:

        - نفوس تجار المدينة الذين يلتجئ إليهم أولئك الإقطاعيون في العادة للاقتراض "على الموسم" من أجل تغطية نفقات بذخهم ومباذلهم، الخوف على أموالهم المستقرضة من أن لا تعاد إليهم بسبب ما قد يقع من عجز في ملاءة أولئك المستقرضين المبذرين، والاحتقار لمثل هذا النمط للحياة الذي لا يؤدي إلا إلى الإفلاس والخراب؛

        - ونفوس المتدينين المحافظين المتمسكين بتقاليد الدين المعادية للتهتك والتبذير ومحاكاة الأعداء التاريخيين أهل الغرب في السلوك، وعلى رأس هذه الفئات المنتشرة في كل طبقات المجتمع، يميناً ويساراً، رجال الدين المسلمين، الغضب انتصاراً "للدين والتقاليد"؛

        - ونفوس المثقفين الذين يرون في الإقطاع المرض الأساسي للتخلف عن ركب الحضارة وسبباً للتبعية للمستعمرين، الاستنكار انتصاراً لمبادئ التقدم "المناسبة لعقيدة المستنكر وآرائه"؛

        - ونفوس الوطنيين من كل الفئات المعادين للمستعمرين والطامحين إلى تحقيق أهداف الأمة في التقدم والوحدة، العداء انتصاراً للمقاومة ضد المستعمرين الذين كانوا على الدوام يجدون المتعاونين "الكبار" لتنفيذ مآربهم بين الإقطاعيين.

ولكن الإقطاعيين كانوا طوال أيام الانتداب، كما أشرنا إليه فيما سبق من هذا البحث، قليلي الأثر على المقاومة ضد المستعمرين، المقاومة التي كانت تقودها بحق البورجوازية الوطنية وتضم كل فئات الشعب السوري بدون استثناء، إلا نفراً قليلاً معزولاً محتقراً. وقد انتشرت في المدن والقرى مقاومة الإقطاع منذ عهود الانتداب. كان للجماهير، التي طالما جاهدت وضحّت وبذلت ضد المستعمرين الفرنسيين في سورية وهُرِعَتْ لنصرة الأهل ضد الصهاينة والمستعمرين الإنجليز في فلسطين، نقول كان للجماهير كرامتها فما كانت تسمح أبداً لتجاوزات الإقطاعيين بالظهور بدون رد وعقاب. ونذكر مثالاً على هذا الأمر، وهو واحد من أخرى عديدة، الواقعة التالية: في الثلاثينات من هذا القرن نشرت جريدة القبس نقداً لوزير المعارف المرحوم حسني البرازي، وهو إقطاعي حموي كبير، فما كان من هذا الأخير إلا أن أمر بعض زلمه بالاعتداء على الأستاذ نجيب الريّس صاحب الجريدة المذكورة. ولكن أخا الأستاذ نجيب، الأستاذ منير الريّس، وهو مجاهد مشهور أبيّ النفس قوي الجسم، رد حالاً على هذا الاعتداء بأن قام "بتأديب" الوزير البرازي مع مرافقه الشرطي علناً في الشارع على مشهد من الناس..

وكانت من أبرز الحركات الاجتماعية لمقاومة الإقطاع حركة الشباب الحموي، التي كان جلّ أفرادها تلامذة ثانوية حماة في الثلاثينات من هذا القرن. وقد أسعدني الحظ فكنت زميلاً لهم في الثانوية المذكورة، وبقيت دوماً على صلة وطيدة معهم وصداقة حميمة مع الكثيرين منهم. وقد ألجأني تنظيمهم وحماني من ملاحقة الفرنسيين، في أعقاب ثورة رشيد عالي الكيلاني عام 1941، وأوكلوا بي أخاً شهماً مجاهداً يضنّ الدهر بأمثاله في غنى النفس وتفتح الذهن والتفاني في الكفاح من أجل الوطن الشهيد أبا رُمَيْحٍ المدني. لقد كان بيت أبي رُمَيْحٍ غرفتين من طين في أقصى حي الحاضر في حماة. ولكن أريحيته وكرمه بوسع قصور الجنان. ثم نقلني التنظيم المذكور إلى مزرعة يملكها والد صديق لي ورفيق دراسة المرحوم وجيه البرازي. وكان أصل التنظيم المذكور رابطة وطنية فكرية تنازعها اتجاهان سياسيان:

الأول: اتجاه عصبة العمل القومي العربي بتأثير الأستاذ زكي الأرسوزي الذي كان مدرساً في ثانوية حماة؛

الثاني: اتجاه سوري قومي تزعمه الأستاذ أكرم الحوراني.

وانقلب التيار السوري القومي في تلك الرابطة إلى الحزب العربي الاشتراكى في نهاية الحرب العالمية الثانية ثم انقلب هذا الحزب الذي كان قد امتد بعيداً في الريف السوري وإلى مدن حلب وحمص ودمشق والساحل السوري، ليصبح الشق الآخر من حزب البعث العربي الاشتراكي عند اندماجه بحزب البعث العربي في أوائل الخمسينات من هذا القرن.

وشنّ حزب الشباب بقيادة الأستاذ أكرم الحوراني حرباً لا هوادة فيها على الإقطاع الحموي أولاً ثم على الإقطاع في كل القطر السوري. وتمكن من تسجيل نصر ساحق على الإقطاعيين الحمويين بانتخاب الأستاذ أكرم نائباً عن حماة في مجلس النواب السوري عام 1943، كما قاد المقاومة البطولية الظافرة في مدينة حماة في العشر الأخير من شهر أيار عام 1945. ومما لا ريب فيه أن معركة القضاء على الإقطاع السوري كانت بلا منازع بقيادة الحزب العربي الاشتراكي أولاً ثم حزب البعث العربي الاشتراكي، وذلك بطبيعة الحال، عندما وجدت هذه القيادة تلك الاستجابة الموصوفة أعلاه للجماهير بمختلف فئاتها. وانتشرت تقاليد هذا الكفاح وذاع صيتها في كل الوطن العربي وكان أن استفادت الناصرية منه في كفاحها ضد إقطاعيي مصر أولاً ثم في سَنِّ قوانين الإصلاح الزراعي في الجمهورية العربية المتحدة.

إن الأستاذ أكرم الحوراني، الذي كان له أثر كبير في مجريات الأمور السورية في الأربعينات والخمسينات من هذا القرن، من مواليد عام 1912 في عائلة صاهرت الإقطاعيين آل الشيشكلي. وكان يملك بعض الأراضي الزراعية قرب مصياف. وقد أدى كفاحه ضد الإقطاع إلى أن اشتبك شقيقه واصل الحوراني وابن شقيقته غالب الشيشكلي بشجار بالأسلحة النارية في يوم من الأيام فسقط بنتيجته الخال وابن الشقيقة قتيلين معاً. وكان أكرم الطالب في كلية الطب اليسوعية في بيروت في مطلع الثلاثينات من هذا القرن منتسباً إلى الحزب السوري القومي، وكان له صديق يدرس في كلية الهندسة اليسوعية وينتسب أيضاً إلى الحزب المذكور. وقد وقع الاختيار على هذين الشابين من قبل الحزب لاغتيال متعاون مع المستعمرين الفرنسيين كان يشغل حينذاك منصب رئيس الدولة السورية وهو صبحي بركات. وكانت النتيجة أن استشهد عبد الباسط في تلك المحاولة وفرّ أكرم عائداً إلى حماة دون أن تكشف السلطات دوره فيها. ثم غيّر دراسته فانتسب إلى كلية الحقوق في دمشق وتخرج منها ليعمل محامياً في بلده. وعلى العموم نشأ هذا المناضل الوطني الكبير في بيت كان دوماً في صراع مع الإقطاعيين الأشد قوة ونفوذاً ويلقى النتائج المادية الكارثية لهذا الصراع، الأمر الذي كان له الأثر الكبير في تكوين نفسية الأستاذ أكرم.

إعادة انتخاب شكري القوتلي لرئاسة الجمهورية

 

قلنا إن المرحوم الرئيس شكري القوتلي قاد النضال الوطني الكبير الذي حقق جلاء المستعمر الفرنسي عن سورية. فكان هذا الإنجاز الوطني الكبير الحاسم، على ما نعتقد، السبب الأساسي في وقوع هذا القائد في الغرور على الرغم من صفاته الأخرى الإيجابية التي يأتي في مقدمتها الذكاء وحسن التدبير الدمشقيان إلى جانب الوطنية الصادقة والرغبة الأكيدة في العمل من أجل تقدم الوطن ومنعته وعميق إنسانيته وحبه لجماهير شعبه. لذلك أحاط به المنافقون ليجمّدوا الأمور عند إنجاز جلاء المستعمر عن أرض الوطن وعند ذكريات الكفاح المجيد ضد هذا المستعمر ويقيموا وثنية صغيرة تافهة حول هذه الذكريات وذلك الإنجاز وينسبوا إلى الرئيس ما يستحق وما لا يستحق من جلائل الأعمال ومن الصفات ويلقّبوه بلقب "الزعيم الرئيس" الذي كان يردده المذياع مع عبارات التعظيم والتفخيم آناء الليل وأطراف النهار والذي نحت منه لذلك المعارضون الساخرون كلمة "الزعمريس"!. يقول الأستاذ ناظم القدسي وهو يتحدث إلى باتريك سيل في حلب بتاريخ 3 تشرين ثاني عام 1960: "كان الحزب الوطني يسهب في الحديث عن نجاحاته الماضية (في الكفاح ضد الفرنسيين) وكأنه غير عالم بما أصاب بنية البلد الاجتماعية من تغيّرات. فلقد كان ينشد احتكار الامتياز له لأنه حارب الفرنسيين". انتهى قول القدسي. والواقع إن المقصود من الحزب الوطني بهذه الكلمة هم أولئك الذين التفّوا حول الرئيس القوتلي يحرقون البخور ويتزاحمون في طلب الغنائم من وظائف بدون كفاءة ومنافع مادية بدون استحقاق، أي باختصار أولئك الكهنة لتلك الوثنية المذكورة آنفاً. فقد ابتعد في تلك الظروف القدامى من رفاق السلاح ليأتي أولئك المنافقون وخدم المستعمر بالأمس ويحتلوا المناصب والإدارات. وارتفع بالحق وبالباطل شعار "عفا الله عما مضى والاستقلال يجبّ ما قبله". إلا أنه مع كل هذا بقيت الجماهير تتمتع بحريتها المشار إليها أعلاه، ونشبت معركة سياسية كبرى بين الجمود والانتهاز من جهة وبين التقدم من جهة أخرى سيأتي ذكر تفاصيلها فيما يلي من البحث، وبقي الرئيس القوتلي ذلك الزعيم الذي لا يذهب إلى حد التنكيل بأبناء شعبه وإن ذهبوا في معارضته إلى أقصى الحدود. واختفت في هذه الظروف القيادة الثورية التي قادت الجماهير ضد المستعمر المحتل، وقام مقامها حكم يبحث عبثاً عن الهدوء في مواجهة مستعمرين وطامعين لا يهدأ لهم حال.

ولقد كانت معركة فلسطين الآتية في أعقاب جلاء المستعمر عن سورية ظاهرة بكل وضوح للعيان وكان بالإمكان، بقيادة ثورية واعية مصممة، أن يلعب هذا القطر العربي دوراً حاسماً في تحقيق أمنية العرب في تحرير فلسطين أولاً ثم في قلب المخططات المجرمة للاستعمار الأميركي الجديد بإزكاء وتحريض المسيرة الوطنية العربية ودفعها في اتجاه بلوغ هدف أمتنا في إقامة دولتنا العربية الكبرى الموحدة في تلك الظروف التي كانت فيها جماهير العالم المظلومة تلتهب حماساً وشوقاً للتحرر من الاستعمار المضعضع المتداعي حينذاك. وكان الفرنسيون يعرضون علينا شراء كل ما كدّسوه في بلدنا طوال أيام الحرب لأغراضهم العسكرية من أسلحة وذخائر، وكانت بكميات هائلة، وكان غرضهم النكاية بغرمائهم ومنافسيهم الإنجليز، ثم توفير نفقات نقل هذه الأثقال الباهظة إلى بلادهم. ولكن المسؤولين عندنا ردوا ذلك العرض وهم يتظاهرون "بالترفع" الكاذب عن قبوله من أولئك "المستعمرين الأعداء" ونحن بأمسّ الحاجة إلى تلك الأسلحة وذخائرها. ولقد كان لدينا الوقت الكافي لاستيعابها محلياً في سورية أو عربياً عند اللزوم، وفي كل الأحوال، كنا وفرنا على أنفسنا ذلك العجز الذي صرنا إليه بسبب فقدان السلاح والذخيرة يوم المعركة عام 1948 والذي أدى بنا إلى تشكيل لجان تشتري لمجاهدينا بواريد البدو ورصاصهم..

كان إذن، كما أسلفنا، الانتهازيون وأعوان المستعمر بالأمس والعجزة والجهلة يتصدرون المناصب الحساسة ويشكلون سدوداً مانعة أمام كل خطوة تقود إلى الاستعداد لمواجهة المستعمرين والصهاينة بشكل جدي. وأذكر بهذه المناسبة الواقعة التالية التي تصور الحالة التي كنا فيها في أعقاب جلاء المستعمر: فقد عممت قيادة الجيش أمراً لجميع العسكريين تحضّهم فيه على إبلاغها عن العسكريين السوريين الذين تعاونوا مع المستعمرين الفرنسيين أثناء عدوانهم على سورية في شهر أيار عام 1945. وكان هذا الأمر، كما هو واضح، من باب الدجل بالإضافة إلى هدفه في تمزيق صفوف الجيش بفتح باب إطلاق الاتهامات العشوائية يمنة ويسرة وفي هذا الاتجاه وعكسه: لقد أدى إلى وصول أكداس التقارير بالآلاف إلى القيادة التي غرقت بها وأهملتها بدون أدنى ريب. وقد اهتم النقيب سعيد حبي، رئيس المكتب الثاني في قيادة الجيش حينذاك الذي خرج ذلك الأمر العجيب من مكتبه، بجوابي حول هذا الموضوع حيث قلت: "هناك ضباط تعاونوا مع المستعمرين المعتدين بحماس يفوق حماس الفرنسيين. والقيادة صاحبة هذا الأمر يمكنها معرفتهم بغير هذا الأسلوب إن لم تكن تعرفهم حتى الآن. وإنني سوف لا أبوح بأسمائهم كي لا تزيد هذه القيادة في تكريمهم وتبالغ في الاستفادة من مواهبهم!..". وقد طلب إليّ النقيب حبي سحب هذا الجواب بإصرار فرفضت بإصرار أشد وقلت له إن هذا الجواب يجب أن يبقى في محفوظات مكتبك ليكون شاهداً على أحوال هذه الأيام وبيننا المحاكم إذا شئت. وما كانت الظروف في تلك الأثناء تسمح بإحالتي إلى المحكمة لأن الخاسر في مثل هذه القضية هم أولئك الضباط الذين تعاونوا مع المعتدين المستعمرين وذلك النفر في القيادة الذي يحميهم في تلك الأجواء الحماسية غير الملائمة لهم.

وكانت مدة مجلس عام 1943 تنتهي في عام 1947. وقد نجحت الجماهير قبل انتخاب المجلس الجديد بفرض تعديل الشكل القديم لعملية الانتخاب وجعله على درجة واحدة بدلاً من درجتين كما فرضه المستعمرون لتكون العملية المذكورة ونتائجها أطوع في أيديهم. ففازت المعارضة المؤلفة من حزب الشعب أساسياً بأكثر من ضعف ما للحزب الوطني من نواب، وهذا الحزب الأخير كان عملياً يعتبر الحزب الحاكم لأبوّة شكري القوتلي الروحية له: فاز حزب الشعب بـ 35 مقعداً مقابل 24 مقعداً للحزب الوطني. يضاف إلى هذا أن الزعماء الكبار للحزب الوطني من أمثال صبري العسلي ولطفي الحفار وأحمد الشرباتي لم يتم انتخابهم إلا في الدورة الثانية التكميلية للانتخابات، وقد جرى في هذه الدورة تزوير فاضح لإنجاحهم. وشجب حزب البعث هذه الانتخابات، التي مهدت إلى انقلاب حسني الزعيم فيما بعد، ببيان نشرته جريدة الحزب في 18 تموز عام 1947 تحت عنوان: "على الشعب أن يثأر لكرامته فيلغي هذه الانتخابات التي جرت في ظل الحراب والبنادق". وفي هذا المجلس تم تعديل الدستور وألغيت فيه المادة 115 التي تمنع إعادة انتخاب رئيس الجمهورية بعد انتهاء ولايته مباشرة. وفي 17 نيسان 1948 تم التجديد للرئيس القوتلي في أجواء القلق والاستنكار الجماهيري العارم في سورية والعالم العربي لما يحاك من مؤامرات لتضييع فلسطين وتسليمها للصهاينة.

سقوط المرحلة الأولى للاستقلال

 

لنختصر أحوال النظام في سورية في فترة ما بعد الجلاء إلى انقلاب حسني الزعيم بالصورة التالية: الرئيس شكري القوتلي المغرور المتشبث بالقيادة العليا آملاً بأن يسير بالبلد إلى "شط أمان غامض" يحيط نفسه بأولئك المنافقين والانتهازيين والجهلة ويجعل منهم بتغذية أطماعهم وتصعيد شراهتهم طبقة صمّاء تحجب عن أنظاره واقع العالم. وبدلاً من أن تصعّد قيادة المجتمع السوري من ذلك الشكل الرفيع الذي كان لها أيام الجهاد ضد المحتل الأجنبي إلى شكل أكثر تقدماً وأرفع رقياً ليجابه أخطاراً أكبر ومهاماً أخطر انحطت به إلى وثنية حمقاء تواجه تغيّراً عالمياً عاصفاً بجمودٍ أعمى. ونحن لا نبالغ عندما نقول أن النهوض الوطني العاصف في مواجهة الاستعمار الأميركي الجديد الذي حدث في سورية في أعقاب سقوط الشيشكلي كان بالإمكان حدوثه بشكل أكثر جدوى وبظروف أفضل في إثر تحقيق النصر العظيم بإجلاء المستعمر عن أرض الوطن، وذلك بتطوير تلك الجبهة الوطنية التي كانت قائمة أيام ذلك الاحتلال إلى الشكل الملائم بدلاً من النكوص بها إلى تلك الوثنية الحمقاء العمياء. لقد كان هناك مثال عالمي قائم يبرهن على إمكان قيام هذا الأمر في تلك الظروف العالمية المؤاتية حينذاك يتجسد بثورة الفييتنام التي تمكنت من إيقاع الهزيمة بكل المستعمرين: بدءاً من اليابانيين وانتهاءً بالأميركان ومروراً بالفرنسيين. وما كانت الفييتنام في وطن فسيح قوي غني كالوطن العربي وإنما أنجزت ما أنجزته بشعبها الصغير المصمم البطل وبقادتها العظام. ثم إن شكري القوتلي رئيس الجمهورية السورية في ظروف تلك الفترة التي نحن بصددها هو ذاته الذي كان رئيساً للجمهورية يقود الجماهير السورية في الجهاد في سبيل طرد المستعمر المحتل ويقول لمساعديه عندما كان على سرير المرض بين الموت والحياة أثناء الهجوم الوحشي للمستعمرين على البرلمان السوري في التاسع والعشرين من أيار عام 1945: احملوني إلى ساحة المعركة لأواجه هؤلاء المستعمرين الهمج!.. وهو نفسه الذي كان رئيساً للجمهورية عام 1956 وكتب إلى نواب الأمة طالباً إقامة الجبهة الوطنية التي جعلت من سورية حينذاك تلك "الجزيرة الخضراء للحرية" التي طارت وحلّقت شهرتها في كل أنحاء العالم. نعم إن شكري القوتلي قال في رسالة وجهها إلى نواب الأمة في الخامس عشر من شباط عام 1956 ما يلي: "..إن الصهيونية التي رمت في أرضنا المقدسة جرثومة إسرائيل ومن ورائها روافد عالمية شتّى، مصدرها الخوف من انبعاث القوة العربية التي هي قوة حق وخير وحرية وسلام، لن تقوى بطبيعتها على الحياة إلا في مطارح التوسع والامتداد، وليس في طبيعتنا نحن سوى المقاومة الضارية التي لا وصف لها أبلغ من أنها مقاومة موت أو حياة.. في ميدان هذا الكفاح الرهيب لن يكون في مواقعنا أمام العدو الغادر مواطن للضعف والخور والأرض المفتوحة الثغرات. فإن أردتم ـ والشعب مصدر هذه الإرادة العليا ـ لن يقوم في مواقعنا بوجه العدو سوى القوة الصامدة والإيمان القادر والمراكز المنيعة العزيزة.. إن إرادة هذا الشعب الذي حَمَّلَكُم إلى مجلسكم أمانة النصر قد أبرز في شتى مواقع جهاده أفضل فضائل المضاء والإيمان والاتحاد، فلم يهن وما هانت عليه كرامته ولم ينخذل وما تخاذلت بالمحن عزائمه. وكم تعاقبت عليه أحداث وصروف وتكالبت عليه قوى محشودة من الشر والانتقام فخرج من الشدائد والمكائد مرفوع الجبين معزز الراية وقد جابهها بعزمه واتحاده وتعاقد قلوب أبنائه، وكانت فضائله هذه خير سلاح وأفعل قوة عندما كان يجاهد الأقوياء أعزل من السلاح.. أيها الأخوان الأعزاء، لقد دعوتكم بجماعاتكم وأحزابكم إلى التضامن والتآزر والاتحاد في حب الوطن واتقاء شر أعدائه وأعود اليوم لأعلن هذه الدعوة على ملأ منكم في ظروف دقيقة يراد بها لنا ما لا يتفق مع مصلحة وطننا وكرامتنا، وما نحن لنهون على أنفسنا وعلى العروبة في مختلف ديارها ومعاقلها لنخضع لما يراد بنا أو ننحرف في مجالات الترويض والإذلال.. إنني أدعو إلى وحدة الصف والعمل القومي والتهادن الحزبي إلى أجل من الآجال لكي يكون بإمكاننا أن نضطلع بمسؤولياتنا ونقف أمام حساب التاريخ غير هيّابين ولا معذَّبي الضمير.. أدعو إلى مجابهة الأيام الشديدة بعدة من الإيمان والاتحاد والعزم هي إلى جانب قوانا وإمكانياتنا فوق قوة الخصم واعتداده بشره واسترساله بفجوره، فليس تطاوله في ساحة البغي كتعالينا في ساحة الحق والاعتداد بقوة إيماننا وعزائمنا.. هذه دعوتي إليكم يا رجال هذا الوطن، وإنني لواضع نفسي في الصفوف الأولى من المواضع التي تريدونها لوطنكم وتبتغونها لأنفسكم دفاعاً عن الحق والحرية والعزة والكرامة". انتهى قول الرئيس شكري القوتلي.

كانت انتخابات عام 1947 فرصة ثمينة للقيادة السياسية السورية لتكوين جبهة ثورية تضم كل الاتجاهات الوطنية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار وتتبع سياسة داخلية معقولة تنصف الفلاحين من أولئك الإقطاعيين المتخلفين وتبني المقاومة الوطنية للتصدي للمستعمرين جميعاً وأعوانهم في المنطقة. وكانت الظروف ملائمة جداً لتحقيق هذا الهدف في أجواء الهجمة الاستعمارية التي بلغت أوجها حينذاك بالمجاهرة العدوّة لسلب فلسطين وتسليمها للصهاينة ونشاط عبد الله بن الحسين العلني في خدمة المستعمرين الإنجليز: كان هذا الحاكم العربي يطرح في تلك الأيام مشاريع يقصد بها إلهاء العرب، وخاصة في سورية، عن قضية فلسطين، وإكمال مخطط المستعمرين فيما يتعلق بهذه القضية، إكمال مخططهم في تقسيم فلسطين المطروح حينذاك. فقام بإثارة مشروع سورية الكبرى على نطاق واسع في كل العالم العربي في ذات الوقت الذي طُرِحَ فيه مشروع تقسيم فلسطين بين اليهود والعرب. وقد استثنى من هذا المشروع لبنان، الموارنة إن أمكن أو كله إن تعذر ذلك، كما استثنى اليهود في فلسطين. ومن الواضح أن الصعوبات في تنفيذ هذا المشروع تصل إلى الاستحالة في حالة استعجاله ليتحقق حينذاك فوراً، ولكنه يخدم مطامع عبد الله والإنجليز في تهيئة الأفكار للسكوت عن ضم الضفة الغربية للأردن وبالتالي إعطاء المصداقية للعنوان الجديد للقطر الذي يحكمه عبد الله تحت اسم "المملكة الأردنية الهاشمية"، وكان قبل معاهدة 1946 يُدْعى "إمارة شرقي الأردن". نقول إذن إن ظروف انتخابات عام 1947 السورية كانت توفر فرصة ثمينة لجعل هذا القطر قاعدة لانطلاق الثورة العربية الكبرى الحاسمة بهدف النهوض بالعرب في كل أقطارهم ليحققوا أهدافهم القومية. ولكن نظام القوتلي، أولاً، ثم وضوح الطريق لتحقيق هذه الأهداف، ثانياً، والقيادة الثورية الكفوءة، ثالثاً، كل هذا ما كان مهيّأً بكل أسف مع تلك الظروف الجاهزة عالمياً ومحلياً. فكان همّ الرئيس القوتلي مثلاً قيادة معركة "دون كيشوتية" ضد عبد الله بن الحسين مع إطفاء "حماس" الشباب الوطني، وخاصة في الجيش خشيةً منه على نظامه (على زعامته التي تصاعدت غيرته عليها وخوفه من أن تمس إلى درجة ضيقه وبَرَمِهِ بكل من يتصدى للعمل السياسي: قال مثلاً مخاطباً وفداً من الشباب الجامعي، بينهم الرئيس نور الدين الأتاسي ويوسف زعيّن وابراهيم ماخوس، أتى إليه مرة لتقديم بعض المطالب: ما لكم وللسياسة، لا تضيعوا شبابكم في مثل هذه الأمور!..). ثم كان ما كان من قيام تلك الطبقة الانتهازية الصمّاء بتزوير ذلك المجلس العاجز الذي وصفته المجلة الهزلية "المضحك المبكي" في عددها رقم 193 بالأقوال التالية لصاحبها المرحوم حبيب كحّالة الذي كان نائباً فيه: "..نظرت حواليّ وكان ما رأيته رجالاً لا يوحّد بينهم شيء، ولا يشتركون في أية مبادئ، ولا يربطهم تنظيم حزبي، وقد وصلوا إلى البرلمان بأساليب خادعة مقنّعة ولم يزد الأمر عن مسرحية وتمثيل أدوار". انتهى قول المرحوم كحّالة.

ولقد أشرنا أعلاه إلى أن هذا المجلس كان النذير بانقلاب حسني الزعيم. وما كانت الظروف في تلك الأيام لتحتمل إلا واحداً من أمرين متعارضين: مجلس جبهة ثورية تعلن القطر السوري قاعدة انطلاق لتحرير الوطن العربي وتحقيق وحدته مهما غلا الثمن وطال الصبر لأن الهدف المنشود لا يقارن بأي ثمن ولأن خراباً نملك إعماره خير من عمار نسلّمه للعدو؛ أو ذلك المجلس الذي وصفته مجلة المضحك المبكي بالمسرح الهزلي والذي هيأ لسقوط تلك المرحلة الأولى للاستقلال بانقلاب الزعيم. فبعد انكشاف الغبار عن سقوط الأنظمة العربية وهزيمتها في فلسطين بلغ سخط الجماهير العربية على هذه الأنظمة أوجه. وسار في طليعة الجماهير السورية حزبا العربي الاشتراكي بقيادة النائب أكرم الحوراني والبعث بقيادة عفلق والبيطار. فعُقدت الندوات وقامت المظاهرات الجماهيرية تطالب بمحاكمة المسؤولين عن النكبة في فلسطين. وكان صوت الأستاذ أكرم الحوراني (الناطق بلسان التقدميين والوطنيين حينذاك) يجلجل في البرلمان فيفضح التقصير مرة ويشجب العدوان على الحريات أخرى فلا يترك كبيرة ولا صغيرة من أمور البلد الحساسة إلا أثارها في الوقت الذي كانت فيه الجماهير بغالبيتها الساحقة تتناغم مع صرخاته المدوية. ولكن القيادة الوثنية ردت بما يزيد النيران اشتعالاً. فقام أحد تنظيماتها التافهة المغرقة بالجهل والرجعية بقيادة فيصل العسلي بالتحرش بالشباب التقدمي المعارض وجَرِّهم إلى المشاجرات. وبلغ بهم الأمر إلى أن يقوم أحد أفراد ذلك التنظيم الفاشي باغتيال شاب من آل علّوش ينتمي إلى تنظيم الحوراني على حائط البرلمان وفي وضح النهار. وأعلن وزير الداخلية صبري العسلي القانون الفاشي رقم 50 الذي يمنع به التظاهر والنقد وغيره. وصدر بحق الأستاذ ميشيل عفلق حكماً بالسجن ستة أشهر لتعرضّه ببيان لشخص وزير الداخلية المذكور. وقبل هذا قام رجال الشرطة في الرابع من آذار عام 1948 بمداهمة قاعة كان المرحوم صلاح الدين البيطار يلقي فيها محاضرة على جمهور من الشباب حول "الدستور والحرية" وأوقفوا العشرات من الحضور. وأصدر حزب البعث في 21 تشرين الأول عام 1948 بياناً بعنوان: "حاكموا الخونة والقتلة والمختلسين قبل أن تحكموا على الأستاذ ميشيل عفلق، مؤامرة وضيعة تحاول تنفيذها الوزارة القائمة". وبلغ الغليان والهياج درجة قامت فيها مناقشة حادة في البرلمان بين الأستاذ أكرم الحوراني ووزير الدفاع أحمد الشرباتي تطورت إلى ملاسنة فاشتباك بالأيدي في الوقت الذي ركض فيه رئيس الوزراء في اتجاه باب الخروج وهو يشتم ويصرخ بصوت قد أبحه الهياج بأنه سيستقيل!.. وكانت قد قامت مظاهرة هائلة في دمشق في التاسع والعشرين من أيار، بمناسبة مرور سنة على صدور قرار الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين. وكان الناس في هذه المظاهرة يطالبون باستئناف القتال حالاً ضد الصهاينة مغتصبي فلسطين وبمحاسبة المفرّطين في هذه القضية وباستقالة حكومة جميل مردم. وقام رجال الشرطة بإطلاق النار على المتظاهرين فقتلوا أربعة منهم. ثم أُعلنت حالة الطوارئ في كل القطر السوري وأُمر الجيش بالسيطرة على العاصمة "لإعادة النظام". ومُنع حمل السلاح والتجمعات لأكثر من ثلاثة أشخاص وأُمر المواطنون بأن يخلدوا إلى السكينة فلا يغادروا بيوتهم من السادسة مساءً حتى السادسة صباحاً. فكم نحن بهذه الصورة المزرية بعيدين عن تلك الصورة المشرقة المجيدة عندما كانت جماهيرنا تتكتل كالبنيان المرصوص في مواجهة المستعمرين في أيار عام 1945 وعندما كان شرطيّونا يستشهدون في سبيل الدفاع عن ذات الجماهير التي يطلقون عليها الرصاص في أعقاب تلك الهزيمة في فلسطين. فلقد بلغت الوثنية بنذالتها وحرصها الهمجي على احتكار السلطة إلى أدنى مظاهرها وأصغرها واشتد نهمها الحيواني حتى في أتفه المغانم وأحقرها، تلك الصورة المزرية التي قيّدت جماهير شعبنا السوري وجمّدت فيه إمكان تحويل أرضه إلى قاعدة انطلاق لتحريك وتصعيد الثورة العربية ضد الاستعمار بكل أشكاله القديمة والجديدة وتحقيق تطلعات أمتنا وتطلعات الإنسانية في القضاء المبرم على هذا الاستعمار.

ولنعط فيما يلي مثلاً كان يتكرر حينذاك في سلوك تلك الوثنية الهمجية التي تنبت بداهة حول الديكتاتوريات في كل الأزمنة والعهود: في تلك الأيام التي كان فيها نظام القوتلي يحتضر في دمشق، أخذت غيوم من أوهام حول مؤامرات يدبرها المجاهد العربي فوزي القاوقجي تتكاثف في المخيلات المظلمة لمخابرات الوثنية القوتلية. وكان هدف تلك المؤامرات الموهومة بحسب ما صوّرته هذه المخابرات الإطاحة بنظام دمشق أو بنظام لبنان. وكانت دسائس المستعمرين بطبيعة الحال تغذي مثل هذه الصور الخيالية كي نقوم نحن بالقضاء على تنظيماتنا الجهادية ضدهم بأيدينا. فتفتّق ذهن المرحوم جميل مردم، رئيس الوزراء ووزير الدفاع حينذاك عن خطة غريبة لتبديد شمل جيش الإنقاذ الذي كان يقوده القاوقجي. وما كان هذا الجيش "بحاجة" إلى تبديد بعد أن تهلهل وانحل بنتيجة القطع المزمن للإمدادات الضرورية من كل الأنواع عنه. وقام المرحوم مردم، وكانت له شهرة بالذكاء غير البنّاء، وبسياسات التفاهم النزيه، بحسب تسميته هو بالذات، مع المستعمرين، بتكليف مهرج من زلمه كي يقوم باستدراج أمين عام الجامعة العربية عبد الرحمن عزّام إلى توقيع أمر يوجه إلى مفتشية جيش الإنقاذ مآله تسريح معظم وحدات هذا الجيش ليصير العمل بعد ذلك على إلحاق ما يبقى منه بقيادة ضابط سوري "مضمون" ومقرّب من الرئيس القوتلي. وذهب ذلك المهرج، كما روى المرحوم المجاهد العقيد محمود الهندي مدير تموين الإنقاذ للقاوقجي بحضوري، إلى أمين الجامعة العربية عبد الرحمن عزام، وكان مريضاً يلازم فراشه، وأخذ يقرأ على مسامعه بريد مفتشية الإنقاذ ويأخذ توقيعه على كل ورقة يقرؤها منه. وتظاهر في أثناء ذلك بقراءة أمر مآله تعزيز جيش الإنقاذ وإمداده بما يحتاجه من أسلحة وذخائر ليتمكن من الاستمرار بالمقاومة في تلك الظروف عندما توقفت الجيوش العربية عن القتال واستعدت للذهاب إلى عقد الهدنة مع الصهاينة، إلا أنه في الواقع كان محتوى ورقة هذا الأمر يعاكس تماماً ما تظاهر بقراءته، كان المحتوى تسريح معظم قوات الجيش المذكور وإلحاق ما بقي منه بقيادة ذلك الضابط السوري. وكانت فضيحة ضاع رنينها، بطبيعة الحال، في أصداء كارثة فلسطين. وهي تبيّن الدرك الذي انحطت إليه تلك الوثنية، ومقدار استخفافها بالناس وبلاهتها حتى يكاد الإنسان لا يصدق خبرها لولا أن المجاهد العربي الكبير القاوقجي أورده بتفاصيله في مذكراته ولولا أن نقله إليه بحضوري أنا رجل أشهد له بالصدق والوطنية هو المرحوم المجاهد العقيد محمود الهندي.

وسقطت تحت ضغط الجماهير الغاضبة وزارة جميل مردم في مطلع كانون الأول عام 1948. وتعذر على الرئيس شكري القوتلي إنهاء الأزمة الوزارية طوال أسبوعين حتى إنه لجأ إلى منافس له على زعامة البلد، قائد الكتلة الوطنية الأسبق الرئيس هاشم الأتاسي، فاستدعاه وطلب إليه تشكيل حكومة إنقاذ وطني، ولكن الأتاسي فشل في تشكيل الحكومة واعتذر. وفي النهاية استدعى خالد العظم سفير سورية في باريز الذي كان يكنّ له كرهاً شديداً أيضاً، وكلّفه بإنهاء الأزمة. وقد تمكن العظم من تشكيل آخر وزارة قبل بدء سلسلة الانقلابات العسكرية. وهذا الرئيس الجديد للوزارة بورجوازي إقطاعي من عائلة عريقة تتخطى آل القوتلي بعيداً في أعلى السلم الاجتماعي، بالإضافة إلى أنه، وإن افتقد تلك الشخصية القوية لشكري القوتلي في صفاته، وافتقد ماضيه الوطني وزعامته الجماهيرية، كان يحلم بالوصول إلى منصب رئاسة الجمهورية، فكان لذلك بطبعه يأنف من الانخراط في سلك كهنوت تلك الوثنية المحيطة بالقوتلي، وبالتالي كان ذلك الربّان الغريب في قيادة تلك السفينة الضائعة في خضم الأحداث الجسام حينذاك.

ورأى العظم أن يشكل الوزارة من خارج مجلس النواب من أشخاص يمثّلون التجار والصناعيين، وعلى الأخص الشركة الخماسية ذات السطوة في تلك الأيام. وكان غرضه المباشر من هذه التشكيلة تخطي المجلس النيابي الذي تسيطر عليه معارضة حزب الشعب والشارع الغاضب. أما غرضه البعيد فهو التغلغل في الساحة التي طالما استمدت منها الكتلة الوطنية القوة المادية في كفاحها من أجل الاستقلال، أيام كان هو خالد العظم كمتفرج بمعزل عن هذا الكفاح، أي الساحة التي هي إقطاع للقوتلي كما هو الظن الشائع حينذاك، وبالتالي كَسْبُ قوة حاسمة في انتخابات الرئاسة المقبلة. فكان هذا السلوك إذن في الجوهر هجوماً إضافياً مبطّناً على "الزعامة المطلقة" للقوتلي: أفقدت الوثنية الرئيس القوتلي جماهير الشارع وهاهو ذا العظم يأتي ليحرف البورجوازية عنه.. واستمر رئيس الوزراء الجديد في سياسة إرضاء القوى الاقتصادية الراغبة في استكمال الانخراط بالسرعة القصوى في النظام الرأسمالي الاحتكاري العالمي، وإرضاء السعودية أيضاً التي يستمد منها القوتلي الدعم الكبير لزعامته، فقام بإبرام اتفاقيتي النقد مع فرانسة وإمرار أنابيب النفط السعودي مع شركة التابلاين الأميركية: السياسة التقليدية للسعودية ترتكز على التحالف مع غرماء الإنجليز الفرنسيين لمعارضة توسع الهاشميين أتباع الإنجليز، وعلى إرضاء الأميركان بالقيام بوظيفة حرس لمصالحهم في المنطقة إلى جانب إسرائيل. وكانت هاتان الاتفاقيتان بمثابة صب الزيت على النار. فقام حزب البعث في الرابع من آذار عام 1949 بإصدار بيان تحت عنوان "مؤامرة الاتفاق مع التابلاين بعد الكارثة الفلسطينية" وفيه دعوة إلى تصعيد النضال ضد المستعمرين الأميركان الذين كانوا وراء تلك الكارثة الفلسطينية. وشنّ أكرم الحوراني حملة شديدة صادقة في البرلمان على الاتفاقيتين. وعمّت المظاهرات في كل أنحاء القطر لا سيما في دمشق. وانقلب ذلك الوجه المشرق الذي قاد الجهاد بكفاءة وإخلاص لتحقيق جلاء المستعمر الفرنسي عن أرض الوطن، انقلب بالوثنية التي أحاط بها نفسه إلى الوجه الرجعي الذي تمنت الجماهير وانتظرت ذهابه بفارغ الصبر.

وكان تيار عملاء المستعمرين، وخاصة منهم الأميركان، في الوثنية القوتلية، وهو تيار قوي، يحاول باستمرار إذلال الجيش. فأخذ هذا التيار من باكورة تأسيس هذا الجيش الوطني يفتعل الاحتكاك بأفراده في الشوارع وفي المنتزهات والملاهي والحفلات، ويثير المشاجرات بين أفراد الشرطة المدنية وبين الضباط الشباب. وكان ينعت رجاله بأنهم تربية وصنيعة المستعمر الفرنسي. وقد هدأت هذه الحملة الظالمة في فترة القتال في فلسطين التي قدّم فيها ضباط هذا الجيش أكثر من عُشْرِ تعدادهم شهداء في سبيل الوطن، نقول هدأت حينذاك لتعود بعد إخفاق الأنظمة العربية وهزيمتها في هذه الساحة على أشد وألأم شكل. وكان واضحاً وبديهياً أن جماهير العسكريين كانوا، وما يزالون وسيظلون، جزءاً لا ينفصل عن جماهير وطنهم. وحتى الآن بعد كل تلك السنين الطويلة لا تزال صورة الرفاق الضباط وبقية العسكريين ماثلة في ذهني واضحة وهم يتناقشون في أمور وطنهم ويتتبعون أخبار الجماهير التقدمية ويطربون أيما طرب لكل انتصار تحققه. ولكن المستعمرين كانوا بانتظار الفرص الملائمة لنقل عدوى الوثنية إلى الجيش كمؤسسة وذلك بجعل حماس جماهيره أرضاً لزرع تلك النبتة السامة وهي الوصاية على أمور الوطن من خلال نفر انتهازي يأتمر بأمرهم. وكان حسني الزعيم أول واحد في سلسلة ذلك النفر التي لم تطل كثيراً فقاد ذلك الانقلاب المشؤوم.