الفصل السابع

عهد الشيشكلي

 

ضياع الوحدة الحقيقة في تنافس الرجعيات

 

بعد أن أحرز الشعبان السوري واللبناني ذلك النصر العظيم بإجلاء المستعمرين عن أراضي قطريهما الشقيقين وتحررا من كل ارتباط تعاهدي استعماري غدا الهمّ الدائم والشغل الشاغل للمستعمرين أن يطفئوا شعلة الحرية التي اتقدت هنا بشكل يندر مثيله في ذلك العالم المعذب، ويُنْذِرُ بخطر طلبه والسعي إليه من قبل بقية المعذبين في الدنيا، وأن يعيدوا بشكل ما هيمنتهم المفقودة على هذين القطرين. فكانت مثلاً لا تسقط مؤامرة على سورية إلا وتعقبها أخرى. وكان مما يزيد الأمور تعقيداً تنافس الاستعمارين، الإنجليزي من الطراز القديم والأميركي الجديد، للتسلل إلى سورية مع اتفاقهما على العمل على اغتيال حرية الشعب السوري، كل منهما بالشكل الذي يناسب أهدافه الاستعمارية. كان الإنجليز مثلاً يرون قهرنا بإقامة عرش في سورية للأمير العراقي عبد الإله، أما الأميركان فقهرنا يكون برأيهم بإقامة ديكتاتورية عسكرية تلتزم بمخططاتهم الاستعمارية. فعندما أطيح بحسني الزعيم بانقلاب الحنّاوي، بعد تحوله من الولاء للإنجليز عن طريق عملائهم في العراق والأردن إلى الولاء للأميركان عن طريق ديكتاتورية تسندها مصر والسعودية، شكّل الوصي على عرش العراق وزارة علي جودة الأيوبي وفيها مزاحم الباججي، وذلك لإرضاء هاشم الأتاسي رئيس الدولة السورية حينذاك الذي ما كانت له ثقة بنوري السعيد من أيام الحكم الفيصلي في سورية، وقد ذكر هذا الأمر الباججي بشهادته، المار ذكرها فيما سبق من هذه الدراسة، أمام محكمة الشعب البغدادية فقال: إن ناظم القدسي وزير الخارجية السوري حينذاك في حكومة الأتاسي طلب إلى أحمد مختار بابان إقصاء السعيد واستبداله بعلي جودة الأيوبي لتقوم محادثات جدية حول وحدة القطرين. إلا أنه عندما فقد حزب الشعب قيادة الجيش بإقصاء الحنّاوي حاول الوصي عبد الإله الحد من الخسارة التي لحقت بمخططاته تجاه سورية فسمح للباججي بالذهاب إلى مصر ليعمل ما أمكن على تحييدها، ولكن هذا الأخير تجاوز الحدود التي رسمت له في بغداد فقبل أن يوقّع على اتفاق ينص على عدم التدخل في الشؤون الداخلية السورية مدة خمس سنوات بما في ذلك إيقاف كل مسعى لتحقيق إقامة سورية الكبرى ووحدة الهلال الخصيب. وقد عنّف عبد الإله الباججي في اجتماع للوزارة وبعض رجال العهد لتوقيعه مثل هذه الاتفاقية التي تؤول إلى إيقاف مساعيه لتحقيق أطماعه في سورية فيما لو تم تنفيذها في الوقت الذي كانت فيه رغبته تحييد مصر لتسهيل تلك المساعي بالذات. فعمل إذن على إسقاط وزارة علي جودة الأيوبي لتحل مكانها وزارة برئاسة توفيق السويدي الملقب بنوري السعيد رقم 2. أما في سورية فقد تشكلت وزارة برئاسة خالد العظم تولّى فيها أكرم الحوراني وزارة الدفاع. وكانت قد تشكلت في المجلس التأسيسي معارضة قوية ضد تنصيب عبد الإله ملكاً على سورية أطلق عليها اسم "الجبهة الجمهورية"، وقد انضم إليها كل من أكرم الحوراني وسامي طيّارة وعبد الوهاب حومد وعبد الباقي نظام الدين، وكان لها أثر فعال في فضح مؤامرات طغمة الوصي على عرش العراق وأعوانهم في سورية.

في هذه الأثناء كانت مصر تنشط في أوساط الجامعة العربية للدخول في معاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي. وكان هدف مصر من هذه المعاهدة الرد على ما كانت السلطات العراقية تطرحه من ضرورة توحيد دول الهلال الخصيب للوقوف في وجه التوسع الصهيوني وتقديم طرح بديل بجعل الدول العربية التي تجمعها جامعتها هي المخوّلة بالقيام بهذه المهمة. وهذا لا يعني في الجوهر سوى أن الجامعة العربية تقوم، برأي الأوساط المصرية والسعودية حينذاك مقام كل توحيد للعرب أو أنها تمثل توحيداً كافياً لهم ولا لزوم لمزيد منه بتوحيد قطرين أو عدد محدود من الأقطار العربية. والدليل على ذلك هو توقف ذلك "الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي" عند بنود وعبارات المعاهدة المذكرة دون إقامة المؤسسات والهيئات والجيوش والأسواق الضرورية لتجسيد الدفاع والتعاون الاقتصادي في الواقع الملموس. وهذا ما يرضي كلاً من أميركا التي تحرص على توفير السلامة للصهاينة بتأييد تشتت العرب تحت ستار تلك الجامعة التي تحفظ بدستورها تفرقهم، ويرضي فرانسة غريمة البريطانيين في تلك الأيام ومنافستهم في منطقتنا. ولا يعني هذا أبداً أن مساعي حكام العراق في تلك الأيام كانت أكثر نفعاً للعرب، وإنما يعني، كما فصلناه أعلاه بأكثر من أسلوب، تقصير قيادات القوى التقدمية الثورية السورية في تقدير ظروف تلك الأيام بشكل صحيح والمبادرة تبعاً لذلك.

ثنائي الشيشكلي والحسيني

 

كان أديب الشيشكلي يسير في تلك الأيام بخطىً حثيثة في بناء كيان شخصي له في الجيش بمساعدة عدد من الانتهازيين بقصد الاستئثار بالسلطة. فكان بهذا يكرر ما فعله أثناء قيادته كتيبة جيش الانقاذ في الجليل عندما استقل بتصرفاته عن قريبه وصديقه الأستاذ أكرم وعن بقية أصدقائه الذين كانوا معه في تلك الكتيبة، الأمر الذي أشرنا إليه فيما سبق من هذه الدراسة وقلنا إنه سبب حينذاك غضب أكرم عليه وأدى إلى القطيعة بينهما. أخذ أديب الشيشكلي إذن بعد الإطاحة بالحنّاوي بالابتعاد عن القيادات التقدمية والعقائدية بما فيها على ما نعتقد من أصدقائه القدامى السوريين القوميين. ففي تقرير للسفارة العراقية في دمشق مثلاً في منتصف شباط 1950 نجد أن المسؤول فيها يخبر مرجعه في الخارجية العراقية في بغداد بهذا التقرير عن أن خلافاً حصل بين العقيد محمد ناصر وبين أديب الشيشكلي وينصح بالاتصال بالأول لكسب تأييده ضد الأخير في صراع محتمل بينه وبين المجلس التأسيسي. وقد كشفت محكمة الشعب البغدادية عن التقرير المذكور في جلسة محاكمة توفيق السويدي. ومن المعروف أن محمد ناصر كان ميالاً إلى السوريين القوميين. وبعد خمسة أشهر من هذا التاريخ، في شهر تموز عام 1950 اغتيل العقيد ناصر واتهم باغتياله رئيس المكتب الثاني ابراهيم الحسيني مع أحد مساعديه عبد الغني قنّوت. وابراهيم الحسيني من الأفّاقين الذين ابتليت بهم سورية. وهو من عائلة المسلماني الحيفاوية التي انتحلت كنية الحسيني. وكان له شقيق حُكِم بجرم تجسس للعدو الصهيوني من قبل المحكمة العسكرية السورية. وقد اطلعتُ على إضبارته عندما كنت رئيساً لهذه المحكمة في عام 1956. وكان هناك أيضاً للحسيني شقيق آخر يعمل في تلك الأيام في شرطة الصهاينة. وقد ارتبط ذلك الأفّاق بأكثر من جهة متآمرة على استقلال سورية. كان مثلاً ذراع حسني الزعيم فانتقل معه من الولاء للهاشميين إلى الولاء للسعوديين وللرجعية المصرية. ثم انخرط في صفوف المؤيدين للحوراني والبعث في الوقت الذي هو فيه من عتاة أعداء التقدم، وانحاز في النتيجة إلى تأييد الشيشكلي. وعاد بعد طرد هذا الأخير إلى العمل مع الهاشميين للتآمر على استقلال سورية لقاء رشاوى كبيرة كان يحصل عليها من حكومة العراق كما ورد في وثائق محكمة الشعب البغدادية. وأخيراً وليس آخراً جنّده الأميركان مع رفيقه أديب الشيشكلي لمساعدة ستون في مؤامرته الشهيرة على سورية في عام 1957. وانتهى أمره باغتياله "بحادث سيارة" في السعودية لإسكاته بعد تقدمه في السن وانعدام الفائدة منه، تماماً كما تم اغتيال رفيق له هو صلاح الشيشكلي شقيق أديب في ذات البلد وبذات الطريقة ولأسباب مطابقة. لذلك فإن هناك ما يبرر الظن القوي بأن يكون هذا الشقي، الذي اعترف في مناسبة من المناسبات للعقيد الشهيد عدنان المالكي بارتكاب عدد من جرائم القتل العادية، هو الذي أقنع و "ورَّط" أديب الشيشكلي في اغتيال العقيد محمد ناصر، أو إنه وضعه أمام الأمر الواقع بتنفيذ هذه الجريمة. وإن بعض أسباب هذا الظن هي التالية:

       1. كان لأديب الشيشكلي أطماع ديكتاتورية، وقد قبل رشاوى الرجعيين حكام العراق، وانخرط في مؤامرات المستعمرين ضد وطنه، ولكنه بطبعه يتجنب سفك الدماء، فعند أول إنذار له مثلاً من الحركة التي أطاحت به ترك سورية إلى لبنان دون أن يحاول مقاومة تلك الحركة بما كان متوفراً لديه من قوىً مؤيدة.

       2. إن الانفصال النهائي بين الحليفين أكرم وأديب ما كان قد تم عند اغتيال محمد ناصر فكان لا بد من أن يعارض أكرم بشدة تنفيذ هذه الجريمة التي كان من المؤكد وصول خبر إعدادها إليه فيما لو كان أديب هو المدبّر الأصلي لها. ولا تغير من هذا الأمر مساعي أكرم وأصحابه لتبرئة المتهمين بالجرم، الحسيني وقنّوت، بإحالتهما أمام محكمة ضُمِنت أكثريتها سلفاً. ذلك لأن لأكرم طبعاً وطريقاً في العمل السياسي لا ينسجمان أبداً مع ارتكاب ذلك الفعل، الذي لم يغير أبداً شيئاً في واقع القوى المتصارعة حينذاك لمصلحة هذا الطرف أو ذاك، وإن غير من الجو ضد مصلحة الشيشكلي: إن اغتيال محمد ناصر أضعف مواقع الشيشكلي والحوراني تجاه حزب الشعب الذي كان مسيطراً في تلك الأثناء على الجمعية التأسيسية والذي سارع إلى استغلال هذا الحادث بشن هجوم دعائي ضد قيادة الجيش وإلى الوقوف إلى جانب عائلة الضحية مخصصاً لها بموجب قانون سنّه في تلك الجمعية راتباً تقاعدياً ضخماً يعادل راتب وزير في تلك الأيام. ثم إنه بعد يومين من الحادث، أي في الثاني من شهر آب عام 1950، قام منير العجلاني بشن هجوم قوي في الجمعية التأسيسية على الجيش فقال: "إن العسكريين يحشرون أنفسهم في كل شيء..". فأحيل هذا النائب إلى القضاء العسكري الذي لم يستطع إلا تبرئته. وفي ذات الأسبوع، أي في السابع من آب، رفع القوتلي، بعد صمت طويل، صوته من منفاه في الإسكندرية، داعياً السوريين إلى أن ينهضوا ويدافعوا عن حريتهم واستقلالهم. وقد نتج عن هذا النداء قيام إضرابات ومظاهرات دبرها الحزب الوطني ضد الجمعية التأسيسية التي كانت في أثناء ذلك منهمكة في سن دستور لا ينسجم كثيراً مع النظام الجمهوري إرضاءً للحكم الملكي في العراق. وقد جرى التصويت والمصادقة على هذا الدستور في الأسبوع الأول من شهر أيلول. وغدا "مستقبل" الشيشكلي ومعه حزب الحوراني ومن ورائه حزب البعث وكل القوى التقدمية في خطر تجاه تلك الهجمة المعاكسة اليمينية ذات الشعبتين: شعبة حزب الشعب والمستقلين اليمينيين كالعجلاني وحسن الحكيم وغيرهما في تلك الجمعية التأسيسية التي تحولت في تلك الأثناء إلى مجلس نيابي لأربع سنوات، وشعبة الحزب الوطني وبقية أنصار القوتلي من البورجوازية والإقطاع.

       3. قلنا إن ابراهيم الحسيني سفاك ارتكب عدداً من جرائم القتل قبل وبعد اغتيال محمد ناصر، وقد ثبت ارتباطه بالمخابرات الأميركية ولا نستبعد ارتباطه بالمخابرات الصهيونية التي نعتقد أنها دفعته مباشرة أو بالواسطة لارتكاب جريمة اغتيال محمد ناصر وتوريط الشيشكلي بهذا الفعل لتعزيز مركزه لديه كشريك "ويد قوية" في نظامه وبالتالي ليكون للصهاينة تأثير كبير في هذا النظام. وفي الواقع إن المسعى الدائم لهؤلاء الصهاينة هو أن يكون لهم أولئك "الكواهين"$ في الأنظمة العربية. وبالفعل فإن هذا السفاك نُقل من رئاسة المكتب الثاني بعد ذلك الحادث إلى مديرية الشرطة والأمن العام، وأصبحت له اليد العليا في قضايا الأمن القومي الداخلي والخارجي. وكان بالإمكان أن يتقدم ليحتل منصباً أكبر في ذلك النظام، أن يحتل مثلاً مركز المعاون والخليفة المحتمل لشغل مركز الديكتاتور بعد الشيشكلي، فيما لو كانت تلك الجريمة قد نُفِّذت بشكل "أكثر إتقاناً" من ذلك الذي تم وقوعها فيه والذي كاد أن يسبب دمار النظام المذكور.

نجد إذن أن قيادات القوى التقدمية الثورية قد ابتعدت كثيراً في تلك الأيام عما كان يؤمل منها في العمل على حشد الجماهير السورية الثائرة لتكون قلباً لحشود الجماهير في الوطن العربي الكبير لتحقيق الزحف الطاحم لأمتنا الذي يكنس الاستعمار بكل أنواعه وأشكاله، قديمه وجديده، من أرض هذا الوطن، نقول قد ابتعدت هذه القيادات عن هذه الصورة المأمولة وسقطت إلى مستوى "الانشغال" بإنقاذ الطامع أديب الشيشكلي والشقي السفاح ابراهيم الحسيني من تلك "الورطة" التي وقعا بها باغتيال العقيد محمد ناصر. وكان من نتيجة ذلك مزيد من انتكاس الحركة الوطنية الثورية ومن تجذّر الاستعمار الأميركي الجديد وقاعدته إسرائيل في المنطقة، ومن إيغال هذا الثنائي، الشيشكلي والحسيني، في طريق الديكتاتورية الخانعة للمستعمرين.

الشيشكلي يرتفع ليقع

 

رأينا إذاً أن اليمين المتمثل بحزب الشعب وبعض المستقلين المتعاونين مع العراق وبالحزب الوطني قد انتعش وأخذ يتحرك في محاولة لاستعادة السلطة في إثر اغتيال محمد ناصر. وكان بإمكان القيادات التقدمية حينذاك أن تأخذ الأمور بحزم فتحاسب مرتكبي الجريمة حتى ولو تناول الحساب شخص أديب الشيشكلي بالذات فتقصيه عن قيادة القوات المسلحة على الأقل، وذلك بدلاً من عملها على إنقاذه مع ساعده الأيمن ابراهيم الحسيني من تلك "الورطة". ولكنها كعادتها، وبحسب الشكل الذي كانت تعتمده في اتصالها المادي بالقوات المسلحة، كانت تعتبر الشيشكلي وأمثاله وكأنه صاحب هذه القوات ومالكها، فشخصه ضروري لها لإسناد مناوراتها السياسية بشكل خاص، وذلك بدلاً من أن يكون مسؤولاً أمامها عن مركز طليعي يشكل امتداداً لنظامها الثوري المدافع عن استقلال البلد وتقدمه في مواجهة مؤامرات المستعمرين وكل طامع داخلي أو خارجي وذلك بحسب برامج وخطط موضوعة من قبلها. ولكن هيهات، فقد كانت تنقصها أمور كثيرة تأتي في مقدمتها وضوح الرؤية ووحدة الصف لتتمكن من جعل القوات المسلحة امتداداً لجماهيرها المنظمة وطليعة لها. وقد استفاد أكرم مع ذلك من تلك الظروف ليقيم أول مهرجان فلاحي سوري في مدينة حلب معقل حزب الشعب في منتصف شهر أيلول من عام 1950 حيث سارت مظاهرات ضخمة أقامها الفلاحون القادمون من مختلف أنحاء القطر، وحيث ارتفعت وترددت الشعارات الثورية حول الإصلاح الزراعي وتوزيع الأراضي. وتحول بهذه المناسبة "حزب الشباب" الحموي إلى "الحزب العربي الاشتراكي" لكل القطر السوري. ومما لا ريب فيه أن هذا المهرجان وما تبعه من نهوض فلاحي عمّ القطر السوري ومن تحريض علني قوي من قبل الحوراني وأعضاء حزبه للفلاحين في مناطق حماة وحمص والعلويين كي يثوروا وينتزعوا حقوقهم من الإقطاعيين ويحققوا شعار "الأرض للفلاح" كان يزعج ابن طبقة الإقطاعيين أديب الشيشكلي، ويلقي الرعب في قلوب هؤلاء الإقطاعيين ويجعلهم مع بقية اليمين والرجعية السورية يعودون ويحاولون "الانفتاح" على الشيشكلي والالتفاف حوله عساه يحميهم من الحوراني وصحبه. ولم يقتصر الأمر على الرجعية السورية وإنما سرى الخوف إلى بقية الرجعية العربية في مختلف أقطارها من حركة الحوراني الفلاحية. فالسعودية مثلاً التي كانت تبحث عمن يضمن لها العزل المطلق لسورية عن الهاشميين، والتي كانت ترى بكل تأكيد في الأستاذ الحوراني عدواً لدوداً لأولئك الهاشميين، رأت في تلك الأيام أن خطر أكرم هذا بدعوته الثورية الفلاحية يفوق بما لا يقاس خطر الهاشميين. وأذكر بهذه المناسبة حديثاً طريفاً سمعته من الشيخ يوسف ياسين في السفارة السورية في باريز في السابع عشر من نيسان عام 1950 حيث كنا نحتفل بعيد الجلاء. وهذا الشيخ من أصل سوري تبوأ مناصب هامة في العربية السعودية، كما كانت له نشاطات غير نظيفة في قطرنا سنأتي على ذكر بعضها فيما هو آتٍ من هذه الدراسة، وكان من جملة المدعوين إلى سفارتنا المذكورة في تلك المناسبة. وكنا حينذاك نفر من الضباط السوريين في ركن من قاعة الاحتفال نسمر ونتحدث فاقترب منا يوسف ياسين المذكور وشاركنا في الحديث. ثم إنه قال، بدون مقدمات وبلهجة المخبر عن "سر خطير": "إن في سورية رجل عجيب اسمه أكرم الحوراني يقوم بدعوة مستهجنة فيحلِّل ما حرَّم الله ويحرِّم ما حلَّل الله. فهو يطالب بنزع الملكية من أصحابها وإعطائها إلى الآخرين. هذا مثلاً عنده دكان توفر له رزقه فيأتي آخر من طرف الحوراني وينتزعها منه. وهو أيضاً يشرب الخمر ويدعو إلى شربه، ويحرض النساء على عدم طاعة الرجال. ويُظَنُّ أنه من عملاء موسكو إلخ..". وقد سخرنا منه حينذاك وسألناه فيما إذا كان أمراء العائلة المالكة أسياده يمتنعون عن شرب الخمر وارتكاب الموبقات فابتعد عنا هارباً.

كان من البديهي إذن أن تتوحد في نهاية الأمر الرجعية العربية بقيادة السعودية والباشوات المصريين فتدعو الرجعيين السوريين إلى الالتفاف حول الشيشكلي وتسهّل له أموره كي يصعد إلى الديكتاتورية ويطارد القوى الوطنية، ولا سيما منها التقدمية، فيقمعها. وكان الأميركان وراء هذه الجبهة الكالحة في المنطقة. وقد انتهت قيادة حزب البعث إلى رؤية هذا الأمر فوجهت في شهر تموز من عام 1953 رسالة إلى الشيشكلي تقول فيها: "..عبثاً يحاول حكمكم العسكري أن يعيش، إذ لا مكان على أرضنا العربية لحكم أجنبي استبدادي طائش لقد كان انقلابكم بداية تحول في الوضع السياسي العربي، فلم يلبث أن أعقبه الانقلاب على العناصر المناضلة في مصر فاختنقت الحركة الشعبية العربية في بدايتها، ومُهِّدَ الجو للحكم العسكري وشبه العسكري في البلاد العربية كلها، وعاد الاستعمار يسيطر على الشعب بأسلحته وعملائه وزبانيته. والحق إن انقلابكم الأخير انقلاب أجنبي احتضنته أميركا حامية الصهيونية، ورحّبت به كل الدول الاستعمارية الأخرى. نحن نعلم ذلك، وأنتم تعلمونه، والشعب بكامله يعرف اليوم من تمثلون..".

ولقد رأينا منذ الفصل الأول من هذه الدراسة أن أهداف مختلف الأحزاب العقائدية السورية، لا سيما منها الأهداف المباشرة، ما كانت لتتعارض. فالجماهير في مختلف هذه الأحزاب تعادي المستعمرين جميعاً وتنشد الحرية والحياة الأفضل. كما إن البعثي مثلاً، في تلك الجماهير، المكافح من أجل وطن عربي موحد، لا يعارض البدء بوحدة الهلال الخصيب التي ينادى بها السوري القومي. ومثله كذلك المسلم المتدين الذي يطمح إلى وحدة المسلمين بدءاً من وحدة العرب إلخ.. ولكن عدم رؤية الواقع على حقيقته من قبل قيادات كل تلك الأحزاب والجماعات شرذم جبهتها وجعل لكل حزب منها طريقاً خاصاً به يعارض طرق الآخرين، وأتاح الفرصة أمام الدجالين والانتهازيين ليطرحوا كل زائف. وحيث إن الجهل والعماء مطيّة الخيانة فقد اندس في الصفوف الوطنية عملاء المستعمرين وحلفاؤهم الطبيعيين دون أن تتفتح العيون على مرامي نشاطاتهم وغايات دسائسهم التي لا تحصى أشكالها وأنواعها. وقد التقت في النتيجة أطماع الشيشكلي بدجل الانتهازيين ودسائس العملاء الذين اندمجوا بلعبته ليدفعوه إلى خدمة أغراضهم وأغراض المستعمرين الأميركان. وقد اشتهر من حاشية الشيشكلي ثلاثة تحلّقوا حوله يزيّنون له أموره ويكملون له نقصه في أداء دوره وهم: الصحفي أحمد عسّة ابن أخت عميل الهاشميين حسن الحكيم والحقوقي الكاتب نزيه الحكيم ابن عم العميل المذكور والكاتب قدري القلعجي الذي تزيّن بالشيوعية ردحاً من الزمن ثم انضم إلى خدمة المخابرات المركزية الأميركية. وهنا نشير إلى أن الأَوَّلَيْن كانا قبل ديكتاتورية الشيشكلي من المقربين المفضلين للأستاذ أكرم الحوراني، كما أن نزيه الحكيم كان على خلالة حميمة مع الأستاذ ميشيل عفلق. وقد استمر هذا الثلاثي الانتهازي يرتاد ساحات النضال العربي زمناً طويلاً بعد الشيشكلي.

وبعد أن تم طرد حزب الشعب من الحكم المدني عيّن الشيشكلي فوزي سلو رئيساً للدولة في الثالث من كانون أول عام 1951. وقد اشْتُهِرَ هذا الأخير بأنه كان المثال المزعج المثير للمرحوم اللواء محمد نجيب، فكان كلما أحس بأن مساعديه الضباط الأحرار يستغفلونه ويعملون من وراء ظهره يهب صائحاً محتجاً: "أنا لست سلو". ولكن الشيشكلي وأتباعه ما كانوا أبداً يعملون من وراء ظهر سلو هذا، وإنما كانوا غير مبالين به وبقدم رتبته على الإطلاق، فهو النموذج للمستسلم القاعد عن طلب المكارم ما دام طاعماً كاسياً. ومُنِعت جريدة البعث عن الصدور في كانون الثاني عام 1952 ودخل حزب البعث في السرّية. وصدر في نيسان عام 1952 مرسوم بحل جميع الأحزاب. وفي الخامس والعشرين من آب عام 1952 افتتح الشيشكلي مكاتب حركة التحرير في دمشق، الحركة التي كان قد شكلها قبل حل الأحزاب وعَرَّفَها بأنها ليست حزباً وإنما هي تجمّع وطني. وكان الثلاثي الانتهازي المار ذكره أعلاه، عسّة الحكيم قلعجي، قد وضع دستور هذه الحركة الذي يبيّن حدود الوطن العربي، وكأنها معنية حقاً بتحرير هذا الوطن وتوحيده وليس بخدمة هذا السيد الجديد للحصول بالتالي على المنافع الشخصية الانتهازية، كما ينص على أمور أخرى تُكرر في العادة آلياً في كل بيان أو دستور يصدره دجّال طامع كتحرير المرأة وإصلاح الأراضي وفرض ضرائب عادلة وغيره. وفي الرابع والعشرين من تشرين أول عام 1952 دخل الشيشكلي إلى حلب على رأس "عراضة" مؤلفة من مئات السيارات لافتتاح الحركة في هذا البلد، وكأنه كان يردّ على المظاهرة الفلاحية التي أقامها هناك قبل سنتين تنظيم الأستاذ أكرم الحوراني والتي أصبح هذا التنظيم بعدها "الحزب العربي الاشتراكي".

ذهب الشيشكلي إلى مصر في الحادي عشر من كانون أول عام 1952، والتقى هناك برجال ثورة يوليو. ولكنه تلقّى أثناء هذه الزيارة تقريراً من ساعده الأيمن ابراهيم حسيني يستعجله بالعودة وينذره بمؤامرة تحاك للإطاحة بنظامه. وقد روى باتريك سيل خبر هذه المؤامرة في "الصراع على سورية"، فزعم أن العقيد عدنان المالكي قابل الشيشكلي عند عودته من مصر في المطار في السادس عشر من كانون أول عام 1952، وتقدم إليه باسم ضباط الجيش بطلب حل حزب التحرير وإعادة الحريات الديموقراطية وغيره، فتظاهر الشيشكلي بالرضوخ لهذا الطلب وسأل المرحوم عدنان عن أسماء رفاقه الضباط والسياسيين الذين أيدوا طلباته المذكورة. وكانت النتيجة أن قبض الشيشكلي على المالكي والمتآمرين جميعاً وألقى بهم في السجن. والواقع إن العقيد المالكي ما كان بهذه السذاجة التي يصفه بها هذا "المؤرخ" المغرض الحاقد. والذي جرى هو أن أحد المتآمرين وهو عبد الغني قنّوت حاول إشراك صديقه القديم ابراهيم الحسيني بالمؤامرة فكان أن افتضح المتآمرون، وصدر بلاغ عن قيادة الجيش باكتشاف تآمرهم وتوقيفهم رهن التحقيق. وفي أواخر هذا العام اضطر كل من ميشيل عفلق وصلاح البيطار وأكرم الحوراني إلى مغادرة سورية واللجوء إلى لبنان ثم في إيطاليا. وكان هذا بعد أن تم توحيد حزبي "البعث العربي" و "العربي الاشتراكي" تحت اسم "البعث العربي الاشتراكي".

واستمرت حكاية الشيشكلي بالتقدم فَوُضِعَ له دستور رئاسي استفتي عليه بواحدة من مهازل الاستفتاءات التي تأتي دوماً بحصيلة قبول الجماهير بما يتراوح ما بين الـ 85% و 99,9%، ونُصِّبَ ديكتاتورنا بنتيجة هذا الاستفتاء رئيساً للجمهورية في شهر تموز عام 1953. ثم جرى انتخاب مجلس نيابي احتلته في الرابع والعشرين من تشرين الأول عام 1953 حركة التحرير التي انتخبت مأمون الكزبري رئيساً له. وعاد زعماء حزب البعث العربي الاشتراكي إلى دمشق بموجب عفو عام صدر عن الشيشكلي بمناسبة انتخابه رئيساً للجمهورية. ولكن السعي إلى إنهاء عهد هذا الديكتاتور لم يتوقف فبدت جميع القوى الوطنية مصممة على العمل لهذه الغاية. فمن الناحية الخارجية كنا نرى التقارب بين نظامي الشيشكلي وثورة يوليو المصرية يسبب القلق للرجعية السعودية بالإضافة إلى عداء الرجعية الهاشمية لكل محور يقوم بين القاهرة ودمشق. وقد انعكس هذا العداء وذلك القلق على حزبي الشعب والوطني اللذين قبلا دعوة البعث العربي الاشتراكي لتشكيل جبهة تطيح بنظام الشيشكلي. وعُقِد مؤتمر حمص السري في 30 تموز عام 1953، وحضر هذا المؤتمر مندوبون عن أحزاب الشعب والوطني والبعث وبعض المستقلين. واتفق المؤتمرون على إنهاء حكم الشيشكلي وإعادة النظام البرلماني الديموقراطي الذي قلبه الشيشكلي واعتبار حكم هذا الأخير منذ قيامه في التاسع والعشرين من تشرين الأول عام 1951 حتى نهايته كأنه لم يكن، وصيانة الحريات العامة والاستقلال والجمهورية، وإبعاد الجيش عن السياسة وجعله يلزم ثكناته. وفي الخامس والعشرين من شباط عام 1954 أعلنت حامية حلب بقيادة العقيد فيصل أتاسي القريب من قادة حزب الشعب الخروج على نظام الشيشكلي وكُلِّفَ النقيب البعثي مصطفى حمدون بإذاعة بيانها من إذاعة حلب وذلك تنفيذاً لمقررات مؤتمر حمص.

 



$ نسبة إلى كوهين الجاسوس الإسرائيلي الذي اكتشف وأعدم في سورية في الستينات؛ (ي.ب).