الفصل الحادي عشر

أميركا تتقدم المستعمرين

 

العالم الثالث والاستعمار القديم

 

وقفنا في الفصل السابق عند مقولة: "إن الحركة الوطنية هي بداهة إفراز طبيعي عفوي لجماهير الشعب الذي تعود إليه، فلا تُزَوَّرُ من قبل أجنبي كشراذم الخيانة وتجمعات الانتهاز، ولا تُصنع من قبل فرد أو جماعة أو حزب، وإن تلونت بشكل أو بآخر بحسب الفئات السائرة في سياقها من تلك الجماهير". فأولئك الوثنيون العرب أو مرتزقة المستعمرين الذين كتبوا أكوام الصفحات عن سورية الحديثة وصوّروها كما لو كانت دوماً أُلعوبة تتداولها أيدي الطامعين من عرب وأجانب في الوقت الذي هي فيه قطر في الجملة الإنسانية يمر مجتمعها، كغيره من مجتمعات هذه الجملة، بمختلف الظروف ويساهم في صنع تاريخ أمته بالشكل المناسب لإمكاناته التي ليست بالقليلة ولموقعه الذي ليس بصغير الخطَر. وكان اهتمام الولايات المتحدة الأميركية، التي كانت حينذاك منهمكة في تجديد بناء العالم الرأسمالي الاحتكاري وإقامة الاستعمار الجديد، بأحوال سورية في أعقاب طرد الشيشكلي من الحكم وخشيتها الكبيرة من امتداد مَثَلِها في مقاومة المستعمرين إلى بقية الأقطار العربية، نقول كانت هذه الخشية وذلك الاهتمام برهاناً على الدور الكبير الذي كان يضطلع به هذا القطر في الحركة الوطنية العربية، الدور الذي حققت به سورية أول وحدة عربية صحيحة حلم بمثلها العرب والمسلمون وكل مضطهَد طوال قرون عديدة.

كان عالم المستعمرات القديمة وأشباه المستعمرات، في أيام منتصف الخمسينات التي تم فيها طرد الشيشكلي من الحكم، يبحث عن المكان الذي سيحل فيه في جملة المجتمعات الإنسانية، في ذات الوقت الذي كانت الولايات المتحدة الأميركية منهمكة فيه، كما قلنا، في تجديد بناء القهر العالمي بهدم الإمبراطوريات الاستعمارية القديمة لتوحيد الاستعمار بزعامتها، والتسلل في الحركات الوطنية لإيقاف سعيها عند الاستقلال السياسي فقط مع الانخراط في نظامها الرأسمالي الاحتكاري العالمي كعالم متخلف تابع فكرياً واقتصادياً للمتقدمين مادياً في أوروبا وأميركا. فقام رئيسا وزارء أكبر بلدين في العالم من حيث عدد السكان، رئيس وزراء الصين شو إن لاي ورئيس وزراء الهند جواهر لال نهرو بإعلان المبادئ الخمسة لتعايش الدول: "البانش شايلا"، وهي:

                  1. عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى؛

                  2. الاحترام المتبادل لسلامة أراضي الدول واستقلالها؛

                  3. الامتناع عن العدوان؛

                  4. التناصر ضد العدوان؛

                  5. التعايش السلمي.

ومن الواضح أن هذه المبادئ تهدف إلى تعزيز الاستقلال السياسي للدول، لا سيما منها حديثة الخلاص من قهر الاستعمار القديم، ولكنها لا تتصدى للعلاقات الأخرى بين الدول التي تأتي العلاقات الاقتصادية في مقدمتها، لا تتصدى لتبعية المتخلفين اقتصادياً إلى المتقدمين مادياً في أوروبا وأميركا. ويمكن القول إن هذه المبادئ تنادي بالانخراط بشكل من الأشكال في النظام العالمي القائم، في يمينه الرأسمالي الاحتكاري أو في يساره الاشتراكي. وهذا مجمل واقع الدولتين صاحبتي الإعلان الآنف الذكر، فإحداهما وهي الصين لها عقيدتها الاشتراكية، والأخرى وهي الهند ترتبط بشدة بالنظام الرأسمالي الاحتكاري وهي دولة من اتحاد الكمنولث الذي انقلبت إليه الإمبراطورية البريطانية الغابرة. وانعقد المؤتمر الآسيوي الأفريقي في باندونغ بين 18 و24 نيسان عام 1955، حيث نادى المؤتمرون بإنهاء الاستعمار القديم وتحرير ما بقي من مستعمرات في أفريقيا وآسيا كالجزائر الثائرة حينذاك مثلاً وغيرها. وتبنوا المبادئ الخمسة لتعايش الدول الآنفة الذكر. وأيدوا مبادئ الأمم المتحدة. وطالبوا بالتعاون الدولي في المجالات الاقتصادية، التعاون الذي لا يؤول عملياً في ظروف عالمهم إلا إلى الشكل الجديد للاستعمار الذي كانت تسعى إليه أيضاً الرأسمالية الاحتكارية الأميركية. وكنا أشرنا في هذه الدراسة إلى مبدأ "عدم الانحياز" الذي نادى به (نهرو، ناصر، تيتو) في تلك الأيام. أما الحركة الوطنية السورية فقد رفعت شعار "الحياد الإيجابي". وقد رأينا أن "عدم الانحياز" للدول المتخلفة المنخرطة في النظام الرأسمالي الاحتكاري العالمي هو أمر لا معنى له على الإطلاق عندما تكون الإمبراطورية الاستعمارية العالمية الموحدة بقيادة أميركا قائمة على تلك الهيمنة الاقتصادية للمتقدم مادياً على المتخلف. أما "الحياد الإيجابي" فيعني في الجوهر مناصرة كل ما هو إيجابي في هذا المعسكر العالمي أو ذاك، وخاصة مناصرة ودعم كل ما هو إيجابي من أجل القضية العربية: الحصول على الأسلحة مثلاً وقبول المساعدات الاقتصادية غير المشروطة كالتنقيب عن النفط وإقامة الصناعات الثقيلة والخفيفة وغيره مع دعم لقضايا العرب التي تأتي في مقدمتها قضية فلسطين. وكان الاتحاد السوفياتي مع المعسكر الاشتراكي يستجيب إلى هذه الطموحات الوطنية والقومية السورية في الوقت الذي كانت فيه أميركا والغرب معها على عداء سافر ضد كل تقدم في هذه الاتجاهات. إن الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة الأميركية كان دوماً ومايزال بطبيعة الحال وراء قاعدته "إسرائيل" فيمدها بكل وسائل الدعم ويقطع على العرب كل سبل التقدم لنيل حقوقهم في أوطانهم ورد عدوان الصهاينة عليهم. أما الارتباط الاقتصادي به من كل نوع فيتبع قانون المتسلط القوي على المتخلف الضعيف، فلا ينفك عن التآمر علينا لإقامة الحكم الذي يربطنا بنظامه العالمي الاستعماري. لقد كان شعار "الحياد الإيجابي" بهذه المعاني التي نوردها هنا تسوية جيدة بين القوى القومية وفي مقدمتها البعث والبورجوازية الوطنية وبين الشيوعيين في الجبهة الوطنية. وكان يقوم جدل واسع وحاد في كثير من الأحيان بين الحركة الوطنية المصرية بقيادة ثوار يوليو وبين الحركة الوطنية السورية بقيادة تلك الجبهة التي كثيراً ما نعتها المستعمرون وأعوانهم الرجعيون بالشيوعية واتهمها الأخوة المصريون بالخضوع للشيوعية.

وقد سبق وقلنا في هذه الدراسة إن مذاهب العقائديين السوريين تكاد تتكامل في جوهرها. فالنضال من أجل وحدة الهلال الخصيب الذي يسعى إليه السوريون القوميون يمكن أن يشكل المدخل إلى وحدة الوطن العربي التي يسعى إليها البعثيون والقوميون الآخرون، كما إن وحدة الوطن العربي تعطينا قلباً قوياً موحداً لدار إسلام تنادي بتعاون وتكامل وتكافل الإنسان ويسعى إلى إقامتها الأصوليون المسلمون غير الوثنيين، غير الذين يعطون آذانهم كما يعطيها الانتهازيون في الحركات الوطنية الأخرى للمستعمرين. وماذا يضير الشيوعيين عند قيام دار عالمية كدار الإسلام تنادي بتكافؤ الفرص بين البشر وتمنع كل استغلال للإنسان من قبل أخيه الإنسان وتحض على ولوج أبواب التقدم المادي والروحي بدون تردد؟. ثم إن كل هذا من الأهداف التي لم يتحقق منها شيء فعلام كان إذن الاختلاف بين كل هذه المذاهب العقائدية؟. إن الأمر يبدو هنا تماماً كاختلاف الصيادين على اقتسام جلد الدب قبل اصطياده. ولكن الجماهير السورية كانت بمنأى عن كل هذه الخلافات السطحية في عقائد قادتها السياسيين، ونقول السطحية وتؤكد قولنا هذا طموحاتنا القومية الإنسانية الكبرى وكل ما نتعرض له من أخطار جسيمة من قبل الأعداء المستعمرين وأعوانهم. وكانت انتخابات عام 1954، بعد طرد الشيشكلي، أكبر برهان على ما نورده هنا فقد أعطى التاجر المتدين صوته لأقصى اليسار عندما انتخب خالد بكداش إلى جانب خالد العظم، كما أعطى الاشتراكي الماركسي صوته لأقصى اليمين عندما انتخب خالد العظم إلى جانب خالد بكداش. ولكن الجهل والانتهاز في مختلف فصائل التيارات الوطنية السورية كانا مطية المستعمرين في مؤامراتهم على قطرنا مما أدى إلى وقوع الخسائر والانحرافات الخطيرة في الحركة الوطنية السورية: من الديكتاتوريات التي توالت على حكمنا إلى استشهاد الضابط المجاهد عدنان المالكي فملاحقة حركة وطنية عقائدية هي حركة السوريين القوميين ثم ملاحقة الشيوعيين وزجهم في السجون وتشريدهم وقتلهم وملاحقة الناصريين وانقسام البعثيين.

العلاقات مع المعسكر الاشتراكي:

 

كان التعامل بكل أنواعه شبه مقطوع بين الكتلة الشرقية وبين العالم العربي منذ أيام الاستعمار القديم وهيمنته على مختلف أقطارنا، حتى إن قادة هذه الأقطار وممثليهم في الأمم المتحدة عندما كانوا "يتصنعون الغضب" تجاه مواقف المستعمرين التي تبلغ الذروة في الافتئات على حقوقنا الوطنية، لا سيما منها ما يتعلق بقضيتنا الفلسطينية، كانوا يصرفون عبارات يجعلون فيها التعامل مع المعسكر الشرقي، وخاصة منه الاتحاد السوفياتي، شراً لا بد منه. كانوا يقولون مثلاً: "إننا نفضّل ألف مرة الوقوع في النفوذ الروسي على أن نقبل هذا الأمر الظالم أو ذاك من الغربيين". وكأن المفروض أن يكون الروس راكضين وراء نفوذ أقل ظلماً من نفوذ الغرب ولكنه ظالم على كل حال. وقال المرحوم قائد الأخوان المسلمين الشيخ مصطفى السباعي في إحدى كلماته: "نعتزم التوجه إلى المعسكر الشرقي إذا لم ينصفنا الديمقراطيون. ونجيب أولئك الذين يقولون إن المعسكر الشرقي هو عدونا، متى كان المعسكر الغربي صديقاً لنا، إننا سنربط أنفسنا بروسيا ولو كانت الشيطان نفسه". كان إذن مجرد القول بإقامة علاقات دولية طبيعية مع المعسكر الشرقي تجديفاً على "الأسياد" الغربيين عندما نغضب من عنجهيتهم وعدوانيتهم. ولكن الجماهير بعفويتها كانت ترى الشيطان يطل من ذلك الحصار الذي يضربه حولنا أولئك المستعمرون الغربيون. فاقترحت أنا في أعقاب سقوط الشيشكلي شراء لوازم المصلحة الجغرافية التي كنت أقوم بتأسيسها للجيش السوري من الكتلة الشرقية، كما اقترحت إرسال بعثات من خريجي كلية العلوم في جامعة دمشق ومن حملة الثانوية الصناعية للدراسة والتمرين في المعاهد المختصة هناك، وقد استجابت قيادة الجيش لمقترحاتي وتم إرسال تلك البعثات وشراء لوازم المصلحة المذكورة من ألمانيا الشرقية دون أية صعوبة وقبل عقد صفقات الأسلحة العربية من الكتلة الشرقية.

إن صفقات الأسلحة التي أُبرمت من قبل سورية ومصر مع الكتلة الشرقية طالما تنازعت "شرف السبق إلى تحقيقها" مختلف الأطراف حتى وصل مستوى التنافس إلى ادعاء الأستاذ حسنين هيكل من جهة شرف مشاركة رمز كبير يكسف كل شريك، شرف مشاركة الرئيس جمال عبد الناصر، في السبق إلى عقد أول صفقة أسلحة مع المعسكر الاشتراكي، وتكذيب هذا الادعاء من جهة ثانية من قبل الأستاذ أحمد عسة الذي نسب إلى نفسه وإلى المرحوم خالد العظم شرف الانفراد في تحقيق هذا الأمر في دولة لها مجلس نواب ومجلس وزراء مسؤول أمامه وجيش مسؤول فنياً في هذا الموضوع. والواقع كانت التجارب المريرة وخيبات الأمل في الحصول على سلاح حديث جيد من الغرب ندافع به عن أنفسنا وحقوقنا الوطنية منذ تلك الحرب التي خضناها في قفص المستعمرين عام 1948 في فلسطين حتى صفقات الأسلحة التشيكية في منتصف الخمسينات السبب في جعل الحصول على الأسلحة من الكتلة الشرقية مطلباً شعبياً ورسمياً بديهياً في كل وسط تنتصر فيه الإرادة الوطنية كوسطي مصر وسورية حينذاك. وما كان الاتحاد السوفياتي ولا معسكره الاشتراكي بحاجة إلى من يقنعه بأن إمدادنا بالأسلحة المتقدمة يخدم قضايا التقدم في العالم ويعزز مواقع المقهورين تجاه المستعمرين العدوانيين وأذنابهم الصهاينة. كان يكفي تقديم طلب للحصول على الاستجابة الفورية من قبل المعسكر الشرقي. لهذه الأسباب ظن كثير ممن حضر مناقشة أو حديثاً حول هذا الموضوع بين مسؤولين أو على صلة بالمسؤولين، وما أكثر ما دار من مناقشات وتساؤلات في مختلف الأوساط الاجتماعية والسياسية في منطقتنا وفي العالم حول موضوع تسليحنا من الكتلة الشرقية، أنه هو صاحب الشرف في "كسر طوق احتكار الأسلحة" الغربية ولقد تم في النتيجة ذهابنا إلى الدول الاشتراكية ونلنا منها أسلحتنا الدفاعية لمصر وسورية وغيرهما من الأقطار العربية، وذهب عسكريونا للتدرب في مدارسهم، ونمت علاقاتنا معهم في هذا المجال وغيره من المجالات العلمية والاقتصادية والسياسية، خلال كل تلك السنين الماضية حتى يومنا هذا وإلى زمن غير منظور فلا ميزة إذن للسابق ببضعة أيام أو أشهر إلى هذا الأمر مادام قد تم وقام كل هذه العقود من السنين.

كانت صفقة الأسلحة التشيكية لكل من سورية ومصر الحدث المدوي الذي أقلق المستعمرين جميعاً وخاصة منهم زعيمتهم الولايات المتحدة الأميركية، التي قلنا إنها كانت حينذاك منهمكة في تجديد البنية العالمية للاستعمار. وكانت أيضاً الحدث المفاجئ الذي ألقى الرعب في قلب الرجعية العربية في جميع أنحاء الوطن العربي، والذي أفرح قوى التقدم وجعلها تظن الظن الخاطئ، عن تسرع وجهل، بأن يوم الخلاص مما خلفته الأيام فينا من تخلف وتمزق قريب. وقد سارع الأميركان اليانكي إلى العمل على تطويق واحتواء تلك المبادرة للحركة الوطنية العربية للخروج من الطوق الاستعماري. فالتخلف المادي العربي في كل النواحي الاقتصادية والسياسية والتقنية إلى جانب ضعف الوسائل الدفاعية أمام القاعدة الصهيونية في فلسطين التي تمكنت بمساعدة المستعمرين من الصمود وإلحاق الهزيمة بالأنظمة العربية عام 1948، كل هذا كان يبدو مطمئناً للأميركان ليسيروا بكل ثقة في المستقبل، حينذاك، في مشروع إتمام بناء جملتهم الاستعمارية في المنطقة العربية. ولكن تلك الخَرْجَةَ من الطوق الاستعماري للحركة الوطنية العربية أخل بحسابات أولئك الأميركان الذين سارعوا كما قلنا إلى العمل على تلافي خطر تصاعد الإمكانات الوطنية العربية على مخططاتهم باتخاذ التدابير التالية:

        1. شن حملة نفسية ضارية على الحركة الوطنية العربية وتشويهها باتهامها بالوقوع تحت النفوذ الشيوعي، واتهام كل وطني يتشدد في مقاومة المستعمرين بأنه شيوعي عميل للسوفيات

        2. توسيع التغلغل الأميركي في مختلف الحركات الوطنية، في مختلف الأحزاب العقائدية والجماعات الثورية، كحزب البعث والسوري القومي والأخوان المسلمين وثورة يوليو المصرية وغيرها. وسنعرض فيما يلي مثالاً على هذا الأمر في المسعى المحموم للمدعو هشام شرابي كي يورط الحزب السوري القومي بالارتباط بالمستعمرين الأميركيين.

        3. تحريض عملاء المستعمرين والرجعيين والانتهازيين على محاصرة العناصر الوطنية بأراجيفهم واتهاماتهم التي تأتي في مقدمتها العمالة المزعومة للسوفيات ودس الدسائس في صفوفهم وبث الفرقة والتناقضات والخصومات فيما بينهم.

                  4. التآمر لقلب الحكم الوطني واغتيال الوطنيين كاغتيال العقيد عدنان المالكي.

                  5. تحريض الرجعية العربية على ضرب الحصار حول الحكمين الوطنيين في كل من سورية ومصر.

                  6. شد أزر إسرائيل بإمدادها بكل المعونات اللازمة من عسكرية واقتصادية وسياسية لتقف نداً لمجموع الأنظمة العربية المتفرقة المتناقضة.

        7. وضعت أميركا خطة لإقامة قاعدة ذرية لها في الكيان الصهيوني وساعدت هذا الكيان بكل الوسائل المفضوحة ليمتلك السلاح النووي الذي هو في الواقع سلاحها الموجه ضد أمن المنطقة وضد الاتحاد السوفياتي.

ولكن المساعدات السوفياتية في مجالات التسليح والاقتصاد والبعثات التدريبية على اختلاف أشكالها واختصاصاتها سمحت للقطرين السوري والمصري بالتقدم سريعاً في النواحي الاجتماعية والدفاعية. فبينما كنا نستجدي البواريد وذخائرها هنا وهناك في العالم الغربي في حرب عام 1948 فلا نحصل عليها أو نحصل على الفاسد منها أصبح بإمكاننا في سورية مثلاً بعد صفقة الأسلحة التشيكية أن ندرب ونجهز عشرات ألوف المجاهدين في المقاومة الشعبية إلى جانب الجيش بأحدث الأسلحة وأمضاها. ثم إن الحركة الوطنية العربية تصاعدت في كل أقطار وطننا العربي الكبير وشد بعضها أزر بعضها الآخر لا سيما بعد فك الحصار الغربي الاستعماري بإقامة علاقات طبيعية بين كل من سورية ومصر وبين دول المعسكر الاشتراكي. وكان من أبرز نتائج ورود الأسلحة المتقدمة من هذا المعسكر إلينا تمكننا من إمداد ثورة الجزائر بالأسلحة الفرنسية التي كان الجيش السوري يتسلح بها، تلك الثورة التي صدف أن تصاعدت في تاريخ يقرب من تاريخ ورود أول صفقة أسلحة إلى سورية من تشيكوسلوفاكيا. ثم إن المعسكر الاشتراكي المذكور قدم مساعدات مادية قيمة عن طريق سورية ومصر إلى ثورة الجزائر بالإضافة إلى دعمه السياسي والمعنوي لها في الساحات العالمية.

أميركا تدبر اغتيال المالكي

 

قلنا إن تفسّخ اليمين المتطرف السوري بعد انهيار ديكتاتورية أديب الشيشكلي وانقسام الحزب الوطني وتقرُّب أحد قسميه برئاسة صبري العسلي من اليسار ومن كتلة خالد العظم وضع الحركة الوطنية السورية في اتجاه حاسم على طريق التحرر من العلاقات الاستعمارية، ورَشَّحَ هذه الحركة لتكون منطلقاً للثورة العربية الكبرى ، أو على الأقل لطرق أبواب توحيد الوطن العربي وما يتبع هذا الأمر من نهوض قومي جارف يقوض مراكز الاستعمار العالمي ويعطل مخططات أميركا قائدة هذا الاستعمار. كانت أفكار الانبعاث العربي تنتشر بسرعة مذهلة في كل أقطار الوطن العربي، في الوقت الذي كانت فيه أفكار الاشتراكية والتحرر الإنساني من الرأسمالية الوثنية تذكي حماس الجماهير العربية وتحشدها لمقاومة المستعمرين وفي مقدمتهم الرأسمالية الاحتكارية الأميركية. وكنا في سورية في تلك الأيام نكافح بكل قوانا لإقامة جبهة وطنية تقف في وجه المؤامرات الاستعمارية الهادفة إلى إقامة حكم عميل للمستعمرين وللرجعية العربية. وكان النشاط الوطني يتأثر في أثناء ذلك بمسألة خلافة الرئيس هاشم الأتاسي الذي أوشكت فترة رئاسته للجمهورية على الانتهاء. وكان هناك مرشحان قويان لهذا المنصب لكل منهما ثقله الهام في توجيه الحركة الوطنية: كان هناك الرئيس شكري القوتلي الذي خرج من عزلته التي وضعته فيها الديكتاتوريات الغابرة وفي مقابله كان السيد خالد العظم. فالأول يحظى بتأييد اليمين وتأييد كل من مصر والسعودية. أما خالد العظم فكانت له مساع حثيثة في الأوساط اليسارية وفي أوساط العسكريين تستند إلى أمرين هامين:

الأول: موقفه السياسي الذي ساعد إلى حد بعيد في إقامة الجبهة الوطنية التي تمكنت من تحطيم الحصار الغربي المشار إليه أعلاه حول سورية؛

الثاني: إضعافه اليمين المتطرف بقيامه كيميني من حيث الانتماء الطبقي بتكتيل كتلة هامة من اليمين السوري وقيادتها إلى محالفة اليسار لإقامة الجبهة الوطنية. وقد رأينا أثر هذا الأمر في تركيب المجلس النيابي الذي انْتُخب في إثر عهد الشيشكلي.

وبالاختصار، كان العسكريون واليساريون التقدميون ميالين لدعم كتلة خالد العظم في المجلس النيابي لانتخابه لرئاسة الجمهورية للأسباب الآنفة الذكر، بالإضافة إلى أن الوثنية التي قامت في عهد القوتلي في أعقاب الجلاء عن أرض الوطن لجيوش المستعمرين، الوثنية التي أدت إلى انقلاب حسني الزعيم، كانت آثارها السيئة مازالت عالقة في أذهان الناس في تلك الأيام، فتشكل عائقاً هاماً أمام طموح القوتلي لتسنّم الرئاسة للمرة الثالثة. ولكن خالد العظم كان مع ذلك مناوراً أكثر منه صاحب مبدأ يساري. فقد تقلَّب في اليمين قبل أن يأتي إلى اليسار سعياً منه للوصول إلى سدة الرئاسة، وما كانت الوحدة مع مصر مثلاً لتسره عندما سدت أمامه الطريق إلى هذه السدة. والقوتلي عريق في الكفاح الوطني وهو الذي قاد سورية إلى الاستقلال بإجلاء الجيوش الأجنبية عن أراضيها. وكان كثيراً ما يستخف بخالد العظم علناً في أثناء انعقاد مجلس الوزراء برئاسته أو انعقاد مجلس الدفاع الأعلى في عهد رئاسته الثالثة فيقول له ساخراً مؤنباً مثلاً: "لا تتعجل، فالنعمة التي تلحّ في طلبها لا تستحق كل هذا العناء!..". فيحمر وجه العظم ويطرق برأسه خجلاً.

وانقسم العقائديون في تلك الأيام إلى قسمين متعارضين متناحرين مع أن الجميع كانوا على العموم من ذات الأصول الاجتماعية. فالأخوان المسلمون والسوريون القوميون انحازوا إلى أقصى اليمين وحاربوا اليسار واتهموه بالعمالة للاتحاد السوفياتي. أما البعثيون فقد التقوا مع شرائح عريضة من يمين المجتمع وخاصة منه التجار، كما ضموا جماهير الفلاحين وكثيراً من العمال، والتقوا أيضاً، كما مر معنا، بالشيوعيين الماركسيين في ظروف قيام الجبهة الوطنية في إثر انهيار حكم الشيشكلي وتفسّخ اليمين وانقسامه على نفسه. وقام صراع كبير على الأخص بين اتجاه البعث والاشتراكيين على العموم وبين اتجاه السوريين القوميين. فكانت نشرات البعثيين في تلك الأيام وجرائدهم لا تخلو الواحدة منها من الحملة على السوريين القوميين فتتهمهم بالعمالة للغرب. وكان السوريون القوميون لا يقصِّرون في هذه الناحية. ففي تعميم لناظر التدريب في الحزب السوري القومي فرانسوا دياب مؤرَّخ في 30/3/1955، وهو من الأوراق المصادرة من مكتب الحزب في دمشق في أعقاب اغتيال العقيد عدنان المالكي والمقدمة إلى المحكمة التي نظرت في هذه القضية، نقرأ الفقرة التالية: "أيها الرفاق، عليكم كجنود أخذتم على عاتقكم محاربة الفساد والتخريب الشيوعي الهدام وتحطيم تلك التحزبات والتشكيلات البعثية المضللة للشعب والمحرِّفة لمُثُل الأمة، من حق وخير وجمال. وعليكم، كجنود آمنتم بأن اجتثاث الفساد والمساوئ لا يكون إلا بتخطيط مدروس، أن تتقيدوا بكل ما يصدر إليكم من تعليمات مسؤوليكم. وبتنفيذكم تلك التعليمات بدقة وانضباط تدللون على مقدار تمسكنا بمبادئ زعيمنا التي مهرها بدمه..". ونقرأ أيضاً في رسالة خاصة لناظرية التدريب مؤرخة في 5/4/1955 ما يلي: "في كل يوم من سجل حياتنا الظافرة نثبت للملأ أننا الفئة الوحيدة في هذه البلاد تدرك حقيقتها وتعمل لعز الأمة التي نحن منها ولها ها هي الضربات تكال إلينا من مواطنين أعزاء علينا وما حادثة دير الزور ببعيدة عنا، نريد أن نرفعهم من الدرك الذي انحدروا إليه ولكنهم يأبون الرقي والارتفاع ويفضلون التردي في دياجير الفساد والانحطاط على أن نرفعهم نحن بأيدينا. لقد تكالبوا على المستعمر يبغون منه الخبز والنعم ونسوا أن في أمتهم كل حق وخير وجمال ولا بأس فقد تعودنا أن ننسى جراحنا لنضمد جراح أمتنا البالغة.. وإليكم أبناء الحياة الثورة التي تعمل لسحق الباطل والفساد، تعالوا نطرد من أمتنا الظالمين المأجورين ونستعيد الماضي البعيد، تعالوا نطرد زبانية المستعمر الخائنين رأس الأفعى الشيوعية الصهيونية المنادية بكل صفاقة ودونما خجل أو حياء بالانجرار وراء المستعمر الشرقي ونرد كل اعتداء يصدر عنهم بمثله ولكن بأقوى منه لأنهم أشخاص تكالبوا على العيش فبصقتهم الحياة..". إلخ

واهتبلت، كما أشرنا أعلاه، أميركا فرصة تعارض وتناحر الحركات الوطنية في الوطن العربي وفي داخل كل قطر من أقطار هذا الوطن، فتسللت مخابراتها بنفوذها في مختلف هذه الحركات لتجند فيها العملاء وتحالف الانتهازيين طلاب المغانم ولتذكي التعارض والتناحر فيما بينها على مستوى الوطن ككل وفي كل قطر. لقد تسللت بنفوذها مثلاً في جماعة ثورة يوليو المصرية فجندت السادات وغيره، كما تسللت وجندت لها عملاء في الأحزاب التقدمية والشيوعية والعقائدية الأخرى. فكانت تحرض المصريين على السوريين والسوريين على المصريين، كما حرضت مختلف الفئات في القطر الواحد بعضها على بعضها الآخر. وكان في أساس التحريض اتهام الوطنيين العقائديين بالشيوعية والعمالة للاتحاد السوفياتي أواتهامهم بالعمالة للغرب. فقامت الشكوك وقام الحذر في كل جهة من نيات الجهة الأخرى، في جهة ثورة يوليو المصرية مثلاً من الجبهة الوطنية السورية. وكان تركيز تلك المخابرات الأميركية على السوريين القوميين لغرضين كبيرين من أغراضها: الأول حرف الحركة السورية القومية عن منحاها المعادي للصهيونية وعن هدفها الذي يشكل خطراً على الكيان الصهيوني في فلسطين فيما لو تحقق وهو وحدة الهلال الخصيب الذي يمتد إلى فلسطين بطبيعة الحال، والثاني استخدام ما أمكن من عناصرها في ضرب رموز الحركات الوطنية السورية الأخرى واغتيالها.

كان من جملة من جندتهم المخابرات الأميركية المدعو هشام الشرابي أحد المستشارين المقربين حالياً لياسر عرفات، ويشغل حالياً كرسي أستاذه شارل مالك في إحدى جامعات الولايات المتحدة الأميركية إلى جانب عضويته في المجلس الوطني الفلسطيني وإلى جانب نشاطه في الأوساط العربية الفلسطينية في أميركا وفي الخليج العربي وبقية الأقطار العربية كرئيس لمنظمة صداقة أميركية فلسطينية لصالح المخابرات الأميركية بطبيعة الحال. إن هذا النموذج تجند في خدمة أميركا والصهيونية منذ أيام النكبة عام 1948، عندما كان الصهاينة يشردون أهله من وطنهم فلسطين، حيث التقطه شارل مالك كتلميذ له في الجامعة الأميركية في بيروت، فكان هو وأستاذه هذا الذي طالما خدم مخططات أميركا في الأمم المتحدة كرئيس لوفد لبنان، وفي النظام اللبناني كوزير للخارجية، وفي الأوساط الثقافية العربية في لبنان والولايات المتحدة الأميركية، وكأحد الرموز الذين تآمروا على لبنان مؤخراً وحطموا وحدته، نقول إن هذا المدعو هشام شرابي الفلسطيني الأصل الأميركي الجنسية مع أستاذه وأبيه الروحي السيئ الصيت شارل مالك نشأ وترعرع في أحضان الـ (سي.آي.إيه) ومع نشوء ونمو هذه المؤسسة التخريبية العالمية، التي بدأت بإقامتها الإدارة الأميركية في أعقاب الحرب العالمية الثانية عندما كانت منهمكة في سلب فلسطين منا لتقيم عليها قاعدتها الصهيونية. وقد اندس مع استاذه شارل مالك في صفوف السوريين القوميين منذ تلك الأيام للنكبة. ثم رحل مع أستاذه هذا إلى أميركا ليلتحق هناك بإحدى جامعاتها حيث كان أستاذه يحاضر فيها. وكان يحمل، بطبيعة الحال، علم دعوة الحزب السوري القومي للتعاون مع الولايات المتحدة الأميركية وخدمة مخططاتها في بناء قلب إمبراطوريتها العالمية في المنطقة العربية الآسيوية بدلاً من المسعى الوطني لتحقيق وحدة الهلال الخصيب التي تنفي هذا القلب الاستعماري وتقتلع حبته، الكيان الصهيوني. فأجرى مع أستاذه شارل مالك الاتصالات بالمخابرات الأميركية، وأرسل التقارير إلى قيادات حزبه يدعوهم فيها بإلحاح للتعاون مع الإدارة الأميركية. وكان من جملتها تقريره المؤرخ في 24 كانون الثاني عام 1955 الذي كان من جملة المستمسكات المقدمة إلى المحكمة التي نظرت بقضية المالكي والتي أحيل إليها هذا الشرابي كمتآمر ومحرض على اغتيال المالكي. ونعطي فيما يلي النص الكامل للتقرير المذكور فهو يجمل ويصور بوضوح النشاط التخريبي الأميركي في الأحزاب الوطنية العربية:

"هذا التقرير السري في غاية الخطورة وهو مستقى من مصدر موثوق به مطلع على دخائل السياستين العربية والأميركية نرجو أن يلقى منكم العناية الفائقة. فالوضع في الشرق الأوسط على مفترق الطرق أكثر من أي وقت والحكومة الأميركية عازمة عزماً أكيداً على تنظيم الدفاع عنه وسد الثغرة فيه مهما كان الأمر، وخطتها في ذلك ربط العراق أولاً بحلف مع تركيا ومن ثم الأردن والجمهورية السورية ولبنان. وبموجب هذه الخطة ينفصل العالم العربي إلى منطقتين: شمالية في الهلال الخصيب وجنوبية هي مصر والسعودية. إن لبنان والأردن راغبان في الانضمام إلى الحلف والمسألة مسألة وقت. أما سورية وهي في وضعها الحالي عاجزة عن اتخاذ موقف حازم تجاه هذه القضية الأمر الذي يجعلها في عزلة. فالسياسة الأميركية منصرفة انصرافاً عنيداً إلى تهيئة الجو لحدوث انقلاب داخلي فيها. ولكن السياسة الأميركية تلاقي صعوبات كبيرة في هذا الأمر بالنظر إلى خلو المسرح السياسي في سورية من أحزاب أو هيئات أو أشخاص ترى فيهم إمكانية قيام الانقلاب المذكور. فإذا اتخذ الحزب السوري القومي موقفاً صريحاً واضحاً يتصف علناً أولاً بمقاومة الشيوعية وثانياً بالاستعداد للتعاون مع الغرب بشروط تؤمّن وتضمن المصلحة العليا يكون عندئذ في موقف يخوِّله التفاوض على أساس أنه الهيئة المؤهلة لإقامة الحكم الإيجابي القوي. وهذا يتطلب ما يلي:

أولاً: الاتصال فوراً بالمراجع الأميركية المسؤولة، والحكومة الأميركية مستعدة لمثل هذا الاتصال؛

ثانياً: كي يتحقق هذا الاتصال وينجح يقتضي على الحزب القيام بما يلي:

                   ‌أ-   يقرر الحزب ويعلن سياسة داخلية للجمهورية السورية تقوم على برنامج عملي واضح للإصلاح الاجتماعي والاقتصادي الشامل؛

       ‌ب- يقرر الحزب ويعلن في بيان رسمي موقفه المعارض لفساد الأوضاع المتعاقبة منذ العهد الاستقلالي ويدعو الشعب للالتفاف حوله بحزم من أجل الخلاص؛

                 ‌ج- لكي يضمن الحزب تنفيذ خطته المشار إليها يقتضي على الحكومة الأميركية أن تقوم بما يلي:

                  1. استخدام كل الوسائل لمساعدة الحزب على تمهيد الطريق أمامه للوصول إلى الحكم؛

                  2. أن تمد الحزب بالمساعدات المالية التي تمكنه من تعزيز وسائله الخاصة وتوسيعها؛

                  3. أن تتعهد الحكومة الأميركية بالاعتراف بالحكومة الجديدة عند قيامها وأن تضمن سيادة البلاد القومية.

وإن الحكومة الأميركية مستعدة لبحث هذه المواضيع مع مسؤول حزبي مفوَّض ومزوَّد بالأمور التالية:

                   -   رد على هذا التقرير.

                   -   خطة مدروسة تامة بكيفية الوصول إلى الهدف.

                   -   مستلزمات نجاح الخطة.

                   -   الجهات الأخرى التي تشترك لتنفيذ هذه الخطة.

                   -   شيفرة للاتصال البرقي.".

انتهى تقرير هشام الشرابي.

واقتربت فترة رئاسة هاشم الأتاسي من نهايتها ولم يبقَ منها سوى أربعة أشهر ونيف: في السادس من أيلول عام 1955 انتهت رئاسة الأتاسي. وكان اليمين في حالة تفكك فقامت الجبهة الوطنية التي يسيطر عليها اليسار وتجمعا العظم والعسلي البرلمانيان، وأفلتت من ذلك اليمين الأكثرية الضرورية لتشكيل الوزارة. وفيما لو دام الحال على هذا الشكل، بل فيما لو تفاقم باتجاه تعزيز مواقع تلك الجبهة الوطنية، فإن فرصة العظم في تسنّم منصب الرئاسة الأولى تصبح مؤكدة. وطموحات هذه الشخصية السياسية كان بالإمكان أن لا تقف عند تسنّم هذا المنصب فتتجاوزه إلى أبعد منه في المنطقة العربية الآسيوية، الأمر الذي يسبب امتداد نفوذ تلك الجبهة الوطنية فيها وما يتبعه من تصاعد رواج فكرة "الحياد الإيجابي" بين جماهيرها العربية وتشكيلها أساساً أيديولوجياً لقيام أجواء معادية للمسيرة الأميركية للحلول محل المستعمرين القدماء، لقيام نظام عام هنا يشكل قلب الإمبراطورية العالمية التي كانت تطمح إلى بنائها الرأسمالية الاحتكارية الأميركية. وما كان العالم المتحرر حينذاك ينقصه مزيد من تصعيد ثورته ضد الاستعمار بكل أشكاله وهو يتنادى للاجتماع في باندونغ. وقد تم هذا اللقاء لقيادات تلك الشعوب التي تتذكر جيداً قهر المستعمرين القدماء، وكان خالد العظم وبرفقته خالد بكداش في هذا اللقاء. لقد بلغ السيل الزبى وأُسقط في يد جهات عالمية وإقليمية فضلاً عن الأذناب المحليين. فالرعب استولى على الرجعيين السعوديين والانتهازيين الساداتيين في مصر إلى جانب القلق العميق للأميركيين. وكان حزب البعث الذي قاوم الوثنية القوتلية مقاومة ضارية، منذ جلاء الأجنبي عن أرض الوطن حتى انقلاب حسني الزعيم، قلقاً أيضاً من عودة نشاط القوتلي للوصول إلى سدة الرئاسة الأولى مؤيداً من مصر والسعودية. وكانت جماهير العسكريين تشارك البعث في قلقه وفي مقدمتهم العقيد عدنان المالكي. فقررت المخابرات الأميركية أن تضرب ضربتها باغتيال العقيد عدنان، وأعدت العدة للقيام بهذه العملية الإجرامية، ووزعت بعناية فائقة الأدوار على عملائها. وقد وقع الاغتيال في هذه الأجواء التي نصفها هنا في الثاني والعشرين من نيسان عام 1955 أثناء انعقاد مؤتمر باندونغ.

كانت الجبهة الوطنية عند وقوع حادث الاغتيال مقتصرة من الناحية العملية على السياسيين الناشطين في حدود البرلمان. وهذا لا ينفي ما نذهب إليه دوماً في هذه الدراسة وفي غيرها من أن الجماهير تكون دوماً، من يمينها إلى يسارها، عدا أقلية ضئيلة من الانتهازيين وعملاء المستعمرين، في جبهة واحدة ضد كل ما يهدد أمن وطنها ويؤخر تقدمه، ضد المستعمرين وأعوانهم. وهي كثيراً ما تتجاوز قادتها في أيام المحن، كما حدث ورأينا عند سقوط حكم الشيشكلي عندما وضعتها عفويتها أمام قياداتها. ولكن تنظيم الجماهير وتعبئتها يكون على كل حال عن طريق الجماعات المتحزبة فيها بحسب عقائد مناسبة. وترتفع مقاومتها بارتفاع وعي أحزابها للظروف المحيطة وانخفاض تعارضها وتضاربها فيما بين بعضها بعضاً. نقول إذن إن تلك الجبهة الوطنية ما كانت بعد تتعدى حدود البرلمان في تلك الظروف التي نشير إليها، وما كانت على الأخص تمتد إلى جماهير العسكريين. وكان المالكي بحكم علاقاته العائلية والاجتماعية، وبحكم ماضيه النضالي ضد الديكتاتوريات والوثنيات، واعياً تماماً الظرف الذي تمر به البلاد، فكان تفكيره ومذهبه ككل مناضل مجرِّب من تفكير ومذهب تلك الجبهة الوطنية التقدمية الآنفة الذكر. ونجد من جهة ثانية أن ذلك اليمين الموصوف أعلاه ما كان بإمكانه أن يفرض القوتلي رئيساً للجمهورية في الظروف السائدة حينذاك دون الاستعانة بقيادة الجيش أو دون تحييد هذه القيادة على الأقل: لقد مر معنا ورأينا أن هذا اليمين عجز عن تشكيل الوزارة واضطر للتراجع أمام تلك الجبهة الوطنية، فكان من باب أولى أن يتراجع أمامها عند التصويت لانتخاب الرئيس الذي سيكون بكل تأكيد خالد العظم إن لم يتعدل الظرف السياسي لصالح القوتلي بكسب قيادة الجيش إلى هذا التعديل أو تحييدها كما قلنا. ولكن المالكي كان وحيداً في قيادة الجيش، كان يرأس الشعبة الثالثة: شعبة العمليات، أما رئيس الأركان شوكت شقير فكان ضعيفاً معزولاً، بينما كان بقية رؤساء الشعب غير معنيين بأفكار الجبهة الوطنية وتسيطر عليهم فكرة الحياد السياسي الجامد للجيش. ولا نقصد بطبيعة الحال أن ننفي الحياد عن المرحوم المالكي، والعكس هو الصحيح، لقد كان وجوده ضمانة لحياد العسكريين أمام مناورات ومداورات ومؤامرات اليمين الذي لا يترك وسيلة توصله إلى هدفه دون أن يمسك بها، وهو يتظاهر بالبراءة والمسكنة وكان المستعمرون وعلى رأسهم الأميركان في الساحة

لم ترَ القيادات الوطنية هذا الظرف الذي نصفه هنا وغفلت عن دقائقه، في حين لاحظه بداهة المستعمر الأميركي فقرر اغتيال العقيد عدنان المالكي كبدء لسلسة عمليات تؤدي إلى شل قدرة الجبهة الوطنية وتجميع اليمين لخوض معركة الرئاسة. وهنا نود أن نلفت النظر إلى أمر خطير وهام قلما يجلب انتباه متتبعي مثل هذه الأمور، فتنطلق الاتهامات والظنون العشوائية الظالمة المضللة بسبب عدم التدقيق وفهم طبيعة الحياة. والأمر الخطير المقصود هنا هو أن المشتركين في الأحداث اليومية يكونون على العموم أبرياء جميعاً، عدا قلة ضئيلة، من أسباب تلك الأحداث. فالرئيس شكري القوتلي مثلاً الذي كان يسعى إلى تسنّم الرئاسة للمرة الثالثة كان رجلاً وطنياً مستقيماً يريد كل الخير لوطنه ويسترخص الحياة للدفاع عن مصالح هذا الوطن. وإذا كان الأميركان وأعوانهم في المنطقة يفضلونه على غيره لتسنّم منصب الرئاسة الأولى في سورية فهذا من شأنهم هم ولا ذنب له في ذلك مادام يعتقد بصحة خطه وتوجهاته لخدمة وطنه. وكذلك يمكن القول بما يشبه هذا بالنسبة إلى الآخرين الذين شاركوا في تلك الأحداث المشار إليها آنفاً: لقد انطلقت أحداث على كل حال، وشارك فيها الناس جميعاً، على العموم، كل بحسب موقعه الاجتماعي في هذا الاتجاه أو ذاك دون أن يكونوا جميعاً متآمرين. أما أميركا التي أطلقت الحدث الكبير الذي هو التآمر لاغتيال المالكي وتنفيذ هذا الاغتيال، فإنها لم تُبَلِّغْ، بطبيعة الحال، عن هدفها وتفاصيل خطتها للوصول إلى هذا الهدف أياً كان من البشر، اللهم سوى واضع هذه الخطة ومحدد هدفها. إنها لن تقول مثلاً للمستفيد الأول من خطتها وهو المرحوم القوتلي إنها ستعمل على إيصاله إلى كرسي الرئاسة لأنه كان سيرفض بالتأكيد هذا العرض لوطنيته وإبائه أن يكون المستعمر وسيلته للفوز بهذا الكرسي. ولو كان قد علم بأنها كانت تدبر اغتيال العقيد المالكي لتسهيل هذا الأمر لكان إذن انضم إلى صفوف محاربيها بكل تأكيد لمنعها من تنفيذ جريمتها. وقد يكون أحد مسؤوليها قد أبلغ القوتلي عن أنها لا تمانع في عودته إلى الحكم وأنها ستكون مسرورة بفوزه، فإنه، بهذا الاحتمال، سيكون ممتناً لهذا السرور، وإن كان كاذباً فهو غير مسؤول عن صدقه أو كذبه$ أو غرضه، فكل هذا من شأن صاحبه.

إن مثل هذه الجريمة النكراء لها أصداء عالمية وإقليمية ومحلية، فيجب اتخاذ كل التدابير من قبل المخابرات الأميركية كي لا تؤذي تلك الأصداء سمعة هذه الدولة التي كانت حينذاك تتظاهر بمساندة تحرر المستعمرات، ولكن لتقع هذه المستعمرات في نطاق استعمارها الجديد الذي كانت منهمكة في بنائه. فبالنسبة للعالم كان يجب أن يأخذ الحادث مثلاً شكل نتيجة صراع قائم بين جماعات بدائية في بلد متخلف. وبالنسبة للمنطقة يجب تشويه سمعة المالكي وجعله واقعاً تحت تأثير "الشيوعية الدولية". أما بالنسبة للمجتمع السوري فيجب أن يصوَّر الحادث على أنه صراع على السلطة بين حزب البعث وبين الحزب السوري القومي. أي في النتيجة إخفاء الهدف الحقيقي لجريمة الاغتيال وهو تدمير كل طموح سوري لإشعال مقاومة عربية جادة ضد مخططات صهينة المنطقة لحساب الرأسمالية الاحتكارية الأميركية. يجب أن يختفي في هذه الحالة موقع الصراع على كرسي الرئاسة السورية في المخطط التآمري العام للولايات المتحدة الأميركية. وقد تمكنت مخابرات هذه الدولة بكل أسف من تمويه أفعالها هذه عن القيادات الوطنية، التي كانت بطبيعة الحال ترى جيداً الصراع بين اتجاهي القوتلي والعظم كما ترى بوضوح الهجمة الأميركية والرجعية العربية على الحكم في سورية، إلا أنها ما كانت لتربط بين هذين الأمرين وبين عملية الاغتيال اللئيمة، بالإضافة إلى عجزها عن وضع كل تلك الأحداث في مكانها الصحيح في المسلسل التاريخي لتستنتج أقرب صورة واقعية للهجمة الاستعمارية الأميركية. إنها وقعت في الفخ وتصورت أن الاغتيال المذكور كان مجرد نتيجة للصراع بين حزبي البعث والسوري القومي، أي أنه كان لا يتعدى الحدود المحلية، فهو صراع على السلطة بين حزبين فحسب بتلك التصورات وليس عملية لها أبعادها العالمية المرتبطة بإقامة أسس الاستعمار الجديد في منطقتنا العربية. لقد تم فضح أميركا وفضح تدخلها السافر في تلك الجريمة، ولكن الأهداف الكبرى التي كانت هذه الجريمة نقطة انطلاق المسيرة نحوها بقيت غير واضحة لعدم وضوح وعي أولئك القادة في تلك الأيام.

لقد كان على القيادات العقائدية أن تستنير بعقائدها لتتفتح على العالم، فتنظر بشكل صحيح إلى ظروفه وإلى ما تدبره له الولايات المتحدة الأميركية. لقد كان عليها أن لا تترك العقيد المالكي وحيداً في قيادة الجيش، كان عليها أن تعمل على توسيع الجبهة الوطنية لتشمل القيادات الفعالة في الجيش، كما فعلنا نحن فيما بعد واستدركناه، إذن لأصبح كل مسؤولي الأركان موحدين بالفكرة مع المالكي، ولاستحال بالتالي على المخابرات الأميركية أن تغتال كل الأركان للوصول إلى بغيتها.



$ أي إذا كان سرور الولايات المتحدة كاذباً فالرئيس القوتلي غير مسؤول عن هذا؛ (ي.ب).