اجتماع ديموقراطي

 

دعا عبد الرحمن إلى اجتماع للحركة الديموقراطية التي يدعو لها والده نوقشت فيها التسوية التي قامت بين الفلسطينيين وسوريا التي تشترط على المقاومة أن تعد بحد نشاطاتها في لبنان، ولا تعترض على المفاوضات التي تجريها الولايات المتحدة في الشرق الأوسط من أجل السلام. كانت الحركة بحاجة إلى هدنة تلتقط فيها أنفاسها وترص الصفوف حولها ، وتخرج القضية الفلسطينية من الإشتباك فيما بينها.. ويبدو أن إسرائيل قد أجلت عملياتها في لبنان ريثما تهضم ما حققته من مكاسب على الصعيد المصري.

بدأ الإجتماع بشكل رسمي في منزل عبد الرحمن، سأله أحدهم:

-         سمعت بالقصة؟ رجل مخابرات ساكن أمام بيت عائلة معروفة، أحب البنت وخطبها، البنت دكتورة، عندما عرفته عن كثب لم يعجبها وفسخت الخطوبة.. صار يعاكسها، شكاه أهلها فسجن شهرين، عندما خرج من السجن ذهب إليها مقتحما بيتها ومعه رشاش، صرع سبعا من عائلتها، الأب والأم والخطيبة وأخاها وأختها وخطيبها ثم قتل نفسه..

-         في الفوضى تبرز الإنحرافات الفردية قال عبد الرحمن- ولكن أخطر منها الإنحرافات الجماعية، كان من الممكن أن تكون لنا قوة كبيرة في لبنان فهو بلد ديموقراطي، لو كنا يدا واحدة.. فالأمر ليس بالتعداد، بيننا الناصري والشيوعي والموالي لسوريا والموالي للسعودية والأمريكي والفرنسي والروسي والصيني.. لا أستطيع لم الشمل على أساس عشائري أو طبقي أو طائفي. كل فرد فينا تشله قوة مناقضة للأخرى مسلحة وعدوانية.. ألا نجد طريقة حضارية للحوار والتفاهم؟ ألا نتفق على راية تجمعنا وتوحد جهودنا؟

قال فلسطيني يعمل في المجلة :

-         إنهم يتفقون ولكن على كره الفلسطينيين.

قام عليه حلبي مستوطن في صيدا:

-         من عمايلهم.. يقبضون على رجل محترم في عشيرته، يربطونه في خيمة ويقولون للناس "شوفة الدب بفرنك !"

-         كذاب!

-         أنا كذاب!

وما لبث أن تعارك الإثنان.. هدر الحلبي:

-         بدي أضربه كف أطرطش دمه بالسماء. هذا العديم الشرف ، السافل ، الواطي، الدون. حمل بارودة فكّر أنه ملك لبنان!

أخذ الزبد يفور من فمه وهو يشتم، وأحاط به المجتمعون يبعدونه عن الفلسطيني الذي أخذ يهزأ به " أوخ، أوخ، إنشالله ينصاب الليلة بالفالج ونرتاح من كتلة الشحم النابئة من سرواله..

أخذ عبد الرحمن يهدئ ما بينهما:

-         ألستما صديقين؟ البارحة كنت تحدثني عنه....

لم يكمل، كان كمن يطفئ النار بالزيت، وهدر الحلبي مرة أخرى:

يخرب بيتك شو زورت عني كمان لعبد الرحمن؟ عم يتهمني أنني صاحب المقال الذي نشر في الصياد.. معقول أنا أقول عنه بتاع ولاد؟

-         لا ضمنا مجلس بعد اليوم، إن وجد هذا الرجل في مكان ، فلن أبقى فيه لحظة واحدة.

وانصرف دون أن يودع أحدا وانفض المجلس قبل أن ينعقد.. ومع تلك النماذج العصية على الوفاق، ما كان عبد الرحمن يفقد الأمل بمن انضم إلى حركته، أخذ جماعة منهم إلى مشارف جبل قرب صيدا ونبههم إلى الخطر الذي يتهددهم.

-         مياه الجنوب تسحب إلى النقب ، إن عمليات حفر الأقنية والأنفاق من بحيرة قرعون جارية على قدم وساق لجر الليطاني ونهر الأولي.. عندما تتم تلك العملية تصبح صيدا والمدن والأراضي جنوبها جزرا في أرض إسرائيلية يترك لها حكم ذاتي إلى حين، بينما ينتزع منها وسيلة العيش بحرمانها المياه للزراعة التي هي أساس اقتصادها فلا يبقى لأهل الجنوب إلا أن يجندوا في جيش إسرائيل للإرتزاق وحماية الحدود الشمالية لها من الفلسطينيين كما تفعل اليوم جماعة لحد التي تجعل طائفيتها تغلب حبها للبنان وطن الجميع.. وأردف عبد الرحمن محذرا:

-         والله سيأتي يوم يصبح فيها الخيار شهوة يشتهيها الناس، وستقطع أشجار البرتقال وتزرع الأرض حشيشا إن لم نقف صفا واحدا وإرادة واحدة تجاه الأخطار التي تحيط بنا! أتظنون إسرائيل كفت يدها عن تمزيقنا؟ والله إنها تتصل بكل الفئات الفلسطينية، وبكل الطوائف اللبنانية مسيحية ومسلمة، أرثوذكس وموارنة وأرمن وسنة وشيعة تزرع في نفوسها أوهام السيادة المطلقة في لبنان لفئة دون الأخريات بمساعدتها بالمال والسلاح..

ما كان عبد الرحمن يتحدث بصورة إنشائية مهولا ما يجري على الساحة اللبنانية، أما كان ابن عمته إبراهيم هدفا لمثل تلك العروض؟ حدثه بنفسه كيف كان يغرى بمرسيدس خمرية، يقولون له "إنها ملكك لو رافقتنا بعملية خطف طائرة!" تقول له عمتي أم ابراهيم:

-         عصابة غانم هي التي كانت تحاول جره إلى خطف الطائرات.. ولكنني أفشلت لهم تلك المهمة.. ذهبت إلى بيروت، وزرت زوجة غانم، وهي امرأة درزية من بيت عريق، كان جدك وأبوها رفيقي عمر، إنها امرأة فاضلة على نياتها وساعدتني كثيرا في الضغط على غانم ليكف يده عن إبني.. فهو وحيدي ليس لي من الذكور سواه.. حتى قانوننا يمنع سوق ولد وحيد إلى الحرب، فمن يحمل إسم العائلة لو هلك في تلك المغامرة لا سمح الله؟ أنا لا أنسى لها فضلها، أنقذت إبني من منزلق هلاك!

* * *