عودة عمي من الصين

 

عاد العقيد أنور عباد بعد ستة أعوام أمضاها في الصين وذهبت لأراه قبل سفره المزمع إلى فرنسا.. كان عنده جمع من الأصدقاء وكان يقول لهم:

يصنفوننا بأننا برجوازية عقارية.. لدى أسرتنا بناء في صيدا من ستة طوابق نؤجر الشقة بمائتي ليرة والقانون لا يسمح لنا بإخراج المستأجر أو رفع الإيجار.. ومع التضخم في لبنان بوتيرة سريعة، أصبحت المائتا ليرة لا تشتري أكثر من كيلو لحم أو صحن بيض، ولكن الشيوعيين يصرون على تسميتنا برجوازية عقارية وبقايا إقطاع..

قلت معلقة:

-         البناء لعمتي فهو ملكها.. بنته طابقا إثر الآخر.. إنها لم تنجب أطفالا ولم تكمل إلا الصفوف الإعدادية، ومع ذلك كانت لها شخصية رجل الأعمال, وأصبحت بإدارتها وحرصها وإشرافها بنفسها على العمال أن تبني الطوابق الستة وتؤجرها إلى الفلسطينيين الذين التجأوا إلى لبنان بعد إيلول الأسود..

دخلت المطبخ، كان إبنا عمي الصغيران قد كبرا وأمهما تلقمهما الطعام رغم أن أحدهما أصبح في التاسعة وأخاه الأصغر في السابعة.. تعانقنا وبكينا معا وهي تسألني عن الظروف التي توفي فيها والدي، فما كان يكبر عمي إلا بسنتين وكانت بنيته من القوة بحيث يعيش كجدي لولا العدوان الوحشي الذي تعرض له.. فعائلتنا معمرة ونادرا ما يموت أفرادها قبل التسعين.. سألتها عن ليزا فقالت أنها عند الكوافير، وأمضينا الوقت بالحديث عن أحوالهم في الصين، قالت بعربيتها المكسرة:

-         أنور كان مش مبسوط، وأنا كمان.. جيتي تري ترست

عرفت منها أنهم يعرفون كل ما يجري في لبنان، وأنهم يتبنون موقف فرنسا في دعم وحدة وسيادة لبنان وأضافت:

-           مسكين دولامار.. لازم أزور مدام بور لوي كونسولى.. قبل أنا سافرت صين تركت كمان عندها قرد وطاووس وغزال..

-           قاطعها إبنها الأكبر بالفرنسية : ايل دوا نو لي ريتورنى

-           لا، نحن رايحين فرنسا، وأولجت لقمة كبيرة في فمه..

كان عمي في زيارة لوزير الخارجية الذي وعد بإرساله سفيراً لتهدئة الخواطر هناك إثر اغتيال السفير الفرنسي .. سألته إذا كان سيصطحب عائلته فقال:

في البداية لا.. ليزا حامل وهي تجهض حملها بسبب عامل الرايسوس فدمها لا يناسب دم زوجها، أمها ستبقى معها حتى تلد فهي بحاجة إلى رعاية خاصة وإشراف طبي دائم .. لقد أجهدها السفر، ولن أخاطر بسفرها الآن..

وحدثني بأن زوجها كان موظفا في سفارتنا في الصين، وجاء ليطلب نقله حتى يكون قريبا من ليزا..وأضاف:

-         ولكنني سآخذ الصبيين معي فهما لا يعرفان إلاّ اللغة الفرنسية وسأدخلهما دورة في السفارة لأبناء الدبلوماسيين هناك فلا تتأخر دراستهما عن تلاميذ لبنان.

سألني عن أحوالي فقلت له بأنني أستلم الآن مكتب والدي وألاحق قضاياه، وأضع ابنتي في روضة قرب بيتي ولقد آن الأوان لأعود بها إلى البيت..

كنت في تلك الآونة كثيرة الزيارات لعمي، وكان مضيافا وقد خصص في الفيلا التي يسكنها ثلاث صالات مفروشة بأفخم الأثاث، إحداها مقاعدها على طراز لويس السادس عشر ، والأخرى على النسق العربي بمقاعد مطعمة بالأصداف كان قد جاء بنجار دمشقي كي يصنعها له، وثالثة ستيل بريطاني حديث يستقبل فيها غالبية ضيوفه فمقاعدها مريحة وتجديد قماشها غير مكلف..

كنت ألتقي بكثيرين من الناس عنده وأستمع إلى أحاديثهم.. كان عمي معتادا أن يتصدر المجلس ولا يترك فرصة واسعة للآخرين أن يحاوروه أو يعلقوا بشيء على أقواله.. سألوه عن انطباعه في بلد إشتراكي فقال:

-         هل العمال والفلاحون هم حقا الذين يحكمون؟ لا، بل الطبقة البيروقراطية، التي لها مصالح خاصة بها وإن كانت من أصول بروليتارية.. البيروقراطية بيدها كل شيء: الثروات والإمتيازات والقرارات وتزوير الإنتخابات. ليس للعامل حرية ، ولا للفلاح حرية في الإنتقاد والتطوير.. كنت هناك في الثورة الثقافية . لا رأت عيناك كيف تقمع حرية الإنسان وإرادته. المثقف يداس بالنعال والمنتج كذلك.. سيدي المفهوم الطبقي تغير. هل تستطيع أن تقول عن طبقة فلاحية هاجرت إلى المدينة أنها تبقى فلاحية إلى الأبد؟ موقعها الإجتماعي تغير، فلماذا تحصر بها الإمتيازات ؟ لم تبقى ديكتاتورية البروليتاريا مقصورة عليها؟ لم النظام ليس لكل الناس؟ قلت لنفسي "بلا لينين، بلا ستالين، بلا ماوتسي تونغ.. الإسلام حقق العدالة الإجتماعية لأنه كان لكل الناس .. ليست الثروة إثم إلا حين توظف في استعباد الغير، ولهذا ترى الإسلام عاش أكثر من ألف وخمسمائة عام ولا تزال له حيويته ونضارته بينما الإشتراكية والشيوعية لا فرق، لم يبررا وجودهما خلال سبعين عاما من استلام السلطة.. أنهم هناك يتحدثون فيما بينهم عن ديموقراطية تتعامل مع الغرب.. ملوا من الديكتاتوريات والإشتراكيات التي تحمل في أعماقها بذور فنائها لأنها لا توحد كل الناس ولا تشركهم في الحكم وتقرير المصير..

كان عيبه أنه رجل غير كتوم يستفيض في شرح آرائه في مجتمع يضع جميع أفراده على وجوههم الأقنعة تقية من خنجر مسموم يوجه في الظلام.. ويقول في مجلس آخر:

_ إن النقص في مفاهيم الشيوعيين أنهم جعلوا العمال والفلاحين هما الطبقتان اللتان نزل بهما القهر الإجتماعي، فتحريرهما ووضع السلطة في أيديهما هو الذي يحرر المجتمعات ويحقق فيها العدالة الإجتماعية ونسوا أن هاتين الفئتين في العالم المتطور هم الذين شحذوا أسلحة المستعمرين لنهب العالم. إن ما حققه الرأسماليون من نهب ثروات عشرات الأمم أضعاف ما حققوه من فائض القيمة من عمالهم وفلاحيهم. ولكن الشيوعيين يركزون دائما على فائض القيمة من العمال وينسون الشعوب المقهورة بمستعمريها القدامى والجدد، التي تصنع ثروات الأمم المتطورة!

كانت زوجة عمي مشغولة مع الخادمة في المطبخ، وليزا خرجت لبعض مشترياتها وللفحص الطبي الدوري.. فلما شاهدت من الشباك ليزا تنزل من سيارة عمي تركت مجلسه وذهبت لاستقبالها عند الباب.. كانت مع زوجها الذي أراه لأول مرة.. تعانقنا وبكينا فما أكثر الأحداث التي مرت بنا خلال الأعوام الخمسة التي قضوها في الصين!

-         لم أرك في المرات السابقة قلت في نفسي آتي بعد الظهر حتى لا أكون مقيدة بابنتي التي أعود بها من الحضانة كل يوم..

-           لم لم تأت بها لأراها ؟

-           إنها تنام في هذا الوقت..

تنهدت وقالت بعد أن جلسنا وحدنا في الصالة العربية، وذهب زوجها إلى مجلس عمي:

-         يبدو أن بنات آل عباد لا ينسجمن في حياتهن الزوجية ولا أدري، أهو العيب فينا أم في أزواجنا..

ظننت أن والدي أخبر عمي عن سبب رغبتي بالانفصال عن زوجي فقلت:

-         اتركينا من هذه السيرة، أخبريذني أليس من الأفضل أن ترافقي زوجك الى باريس؟ لماذا يقول والدك أنك ستبقين هنا حتى تلدي، فهناك الأطباء أفضل وأقدر على انقاذ جنينك. والى هذا فان الأوضاع في لبنان جد خطيرة ولا ندري متى تنفجر الأزمة..

-           لا أريد أن ارافقه، أنا لست سعيدة معه.

استغربت، فهمت من والدتها أنهما سعداء جداً ولا ينغص عليهما سوى عدم انسجام زمرتها الدموية مع زمرته..

بكت ليزا، وقالت منذ زواجي وهو يظن أن حياته الجنسية معي ممتازة، ولكنني في الواقع لا أصل معه الا نادراً الى الأورغازم.. كان بإمكاني أن أبقى على خداعه وأحتفظ به ولكن بدت لي الحياة مقفرة معه، وخصوصاً أننا معاً لا ننجب أطفالاً أصحاء، بل أجنة مهددة بالفناء في كل شهر من أشهر الحمل، وأكبر خشيتي أن لو عاش لي طفل أو طفلان بالرغم من كل النفقات التي نتكبدها والمخاطر التي أتعرض لها أن يشبوا وبهم نقص في عقولهم.

فقلت لها لا أظن ذلك، أنا أعرف زميلة كنا معاً في الجامعة يشبه وضعها وضعك، وعاش لها طفلان في صحة جيدة.. ربما كان ما تحدثيني به تبريراً لرغبتك في الانفصال عنه.

-         ربما.. ولكن بعد أن صارحته بمشاعري ذات يوم غضب وقال "أكنت تخدعينني منذ زواجنا؟ هل كان ما تظهرينه من نشوة كذباً ونفاقاً؟" ان زوجي معجب بنفسه يحسب نفسه دون جوان آخر، لقد صدم باعترافي ومنذ ذلك اليوم لا يقرب أحدنا الآخر أبداً.

-           مالذي كان يضايقك فيه؟

-           هذه الدونجوانية بالذات.. كل شيء يفعله في حياته يفعله من أجل المظاهر، بأناقة تامة، ومهارة، وتخطيط، وروتين معين، فما كان علي الا أن أكافئه بنشوة مزيفة وأصفق لإنجازاته.. ليس هناك عفوية وصدق في عطائه للحب!

لم أر ليزا بعد ذلك اللقاء، كنت أتصل بها في التلفون أطمئن على صحتها.. سافر والدها وأخواها وتبعهم زوجها.. ذهبت لأزورها وأستعير الصحف فسمعت انفجاراً قريبا ًوأنا في الطريق الى منزلها.. كان هناك حشد من الناس عند الباب وسيارات توقفت لترى ما حدث.. عرفت من الخادمة التي وقفت تشرح للناس ما جرى وهي تبكي المصيبة التي نزلت ببيت عمي.. اندفعت اليها بين الناس استفسر منها، قالت بأن سيارة مفخخة انفجرت عند الباب، وأن الانفجار أصاب الفرندة في الطابق العلوي حيث كانت تجلس ليزا وأمها وهما تنسجان للطفل. لقد هبطت الفرندة بكاملها الى الطابق الأول وسد ركامها باب المطبخ حيث كانت منذ لحظة.. وصلت سيارة الاسعاف ونقلت سيدتها التي قتلت على الفور، أما ليزا فانها نقلت الى المستشفى وهي تنزف.

أخذت منها عنوان المشفى وأسرعت الى هناك. كانت ليزا غائبة عن الوعي وقد أجهضت حملها والأطباء في حيرة للحصول على زمرة دموية تناسبها، والمشفى يعلن عن طريق الاذاعة حاجته الماسة الى زمرة O سلبي ولا أحد يتقدم. خطر لبالي أن أتلفن لعبد الرحمن فهو وحده الذي له هذه الزمرة النادرة في عائلتنا. ولكن، حتى يصل بيروت، فربما لن يلحق بها.. ومع ذلك تلفنت لصيدا فعلمت من زوجته أنه ليس موجوداً وهي لا تعرف مقره.

كنت في وضع يرثى له، راجعت بنك الدم، تلفنت إلى زوجة ريمون، وعدت إلى المشفى خائبة، وإذا بي أشاهد عبد الرحمن ..ناديته فالتفت.. كان على وشك أن يدخل غرفة العمليات، فأرسلت له قبلة على أطراف أصابعي.. تنفست الصعداء وعاد إلي الأمل في إنقاذ ليزا. أخذت وعبدالرحمن نتناوب زيارة ليزا حتى أجرت العملية وزال عنها الخطر.. لقدأجهضت طفلها في الشهر السابع ولم يستطع الأطباء إنقاذه لأنه كان ميتا في رحمها، وكان الأطباء يخشون أن تصاب بتسمم يودي بحياتها.. لم نتركها لحظة واحدة وفي الليل كانت الممرضة الفلسطينية التي كانت ترعى والدي أثناء مرضه تنام في غرفتها وتلبي حاجاتها..

تلفن عبد الرحمن إلى ثريا يعلمها بالحادث ، وأنه سيتأخر بضعة أيام حتى يزول عن ليزا الخطر.

* * *