لا تغرنك المظاهر

 

قلت لعبد الرحمن:

-†† لا تسافر قبل أن تنقل ليزا إلى بيتي ريثما يصلح البيت، سأدفع أنا التكاليف، فالبيت معرض للسرقة بسبب الفجوات التي حدثت فيه، وأنت تعلم كم يحوي من التحف..

كان عبد الرحمن قد اتصل بوالدها عن طريق السفارة الفرنسية لتعلمه بالحادث.. ثم جاء ببنائين وحرس من المخيم الفلسطيني، وفي خلال أيام معدودة كانت ليزا قادرة على مغادرة المستشفى فأحضرتها بسيارتي.. وانتهت كذلك إصلاحات البيت، وسلّم عبد الرحمن إلى ليزا مفتاح بيتها..

ولكن ليزا لم تبق عندي فترة طويلة، فما لبث زوجها ان علم من السفارة بما حدث وعاد على الفور لينقلها إلى باريس. دهش حين رأى الإصلاحات قد تمت، واعتذر أنه بقي في الفندق بضعة أيام يبحث عن ليزا في المستشفيات حتى اهتدى إلى مكانها عندي بعد أن خرجت من المشفى.

أوصيت زوج ليزا أن لا يخبرها عن مصيرأمها حتى تتمالك قوتها فنحن في الواقع ماكنا لنعرف أين نقلت ليزا لولا المصادفة التي جعلتني أزورها في نفس يوم وقوع الحادث.

ودعنا ليزا وزوجها في المطار، وأعاد عبد الرحمن إلي المبلغ الذي أنفقه قائلا بأن السفارة الفرنسية دفعت التكاليف، لأن ما يجري على أرض الواقع هو بسبب الصراع بين فرنسا وأميركا على لبنان. فرنسا تدافع عن وحدة لبنان بينما مخطط كيسنجر الأميركي يسعى إلى تقسيمه إلى أقاليم طائفية حتى تكون إسرائيل أكبر أقلية في الوطن العربي!

تحدثت وعبد الرحمن عن ليزا وزوجها، أخبرني عن حديثها معه وأخبرته عن حديثها معي وقلت له أنها غير سعيدة مع زوجها، فاستغرب عبد الرحمن وقال:

-†† إنه من أوسم الرجال!

-†† ليست الوسامة ما يهم المرأة في الفراش الزوجي والعلاقة الأسرية.

-†† وما يهمها بالضبط لأكون على حذر في معاملة زوجتي؟

-†† أن يكون عفويا صادقا.. نحن النساء نمضي نصف أعمارنا ونحن نقمع شهواتنا، ثم فجأة نجد أنفسنا في واقع جديد بعد الزواج، فما كان محرما علينا يصبح واجبا علينا أن نمارسه كل يوم، فإن قصرنا اتهمنا بالبرود، لا يترك الرجل لنا فرصة لنلتقط أنفاسنا، فهو دائما على عجالة، لا يصل بنا إلى شاطئ الأمان ولا يتقبل صراحتنا.. دائما تجد في الزيجات الفاشلة هذا الحاجز بيننا وبين الرجل، لانملك الشجاعة لمصارحته بما يلذ لنا وما يؤلمنا، ننتظر أن يفهم هو ما يزعجنا باعتباره الأكثر خبرة وتجربة.. هذا ما حدث لليزا، فحين وجدت الجرأة لمصارحة زوجها بعد بضع سنوات من زواجها اعتبر بأنها كانت تخدعه وتكذب عليه، وانقطع ما بينهما من ود وحل محله الجفاء ، والجفاء يولد مثيله عند الطرف الآخر، ويصبح الزواج المتأزم في طريق مسدود.

-†† عجيب! إن من يراهما متحابان كنجوم السينما.

-†† لا تغرك المظاهر ! ما كانت سعيدة أن تسافر معه إلى فرنسا.. لا قبل ولا الآن.. الشخص الوحيد الذي كان يتلهف لذلك هي زوجة عمك، ولكن حلمها لم يتحقق. مسكينة فرنسواز، آخر مرة رأيتها فيها أرتني ألبومات الصور التي أخذتها في الصين، والولائم التي حضرتها في السفارات وكانت من الكثرة بحيث شعرت أنني كنت أعيش معها، وتحت كل صورة تكتب تحتها بخط أنيق المكان والزمان والمناسبة.. كم من سفارة دعيت إليها وكم من وجبات صينية تعلمتها! تقول لي بما معناه "هؤلاء الصينيون فنانون، ينقلون فنهم إلى الصور والسجاد والمطرزات وحتى المعجنات فإذا بك أمام مائدة با بور مانجي, مي بور فوار! بأنواع الطيور والسلال المشبكة والبيض المزخرف.. أضحك "أله طعم غير طعم البيض؟ "تردف بجد بأن الدجاجة يصنعون منها عشرة أصناف، حتى الجلدة الرقيقة التي تغلف معدتها يصنعون منها صنفا يقرقش لذيذ الطعم.. لم تستطع أن تنقل فنها الذي تعلمته في الصين إلى السفارة في بلدها وتبهر الجميع بمهاراتها.. مسكينة، دفعت حياتها ثمنا للصراع بين فرنسا وأميركا على لبنان..

-†† لا شك أن عمي يعاني أكبر المحن..

-†† لا تخش على عمك، إنه ليس كوالدنا، لا يحب من الأعماق، وسرعان ما سيجد من تعوضه عنها!

-†† أتمنى له أن يتجاوز مصابه، فليس سهلا على الإنسان أن يفقد عزيزا عليه اعتاد وجوده قربه وشاركه حلو الحياة ومرها، حتى قطة ياسر كانت تموء بصوت غريب حزين وهي تشمشم الفراش الذي أسجي فيه جدك!

*†† *†† *