في حياة كل رجل

 

لم يسافر ريمون وجولييت قبل أن يأتيا لوداعي وشكري ويكاشفاني بالحديث الذي دار حين قدم زوجي لوداعهما.. قال ريمون:

إن زوجك يحبك، ولا يتقبل أبدا فكرة الإنفصال الذي تطرحينه .. صدقيني، في حياة كل رجل إمرأة يحبها كل الحب، قد يضعف أحيانا ويخذلها، فلا تجعلي هذا الضعف سببا لتدمير حياتك الزوجية.

-ليس هذا وحده ما يبعدني عنه .. جربته أعواما تسعة، يفرق بيني وبينه مائة عام ، الفرق بين حضارة لبنان والسعودية .. الدراسة في الخارج لم تهذب من رؤيته للعلاقات الإنسانية التي يجب أن تسود بين الرجل والمرأة، والرجل وأبنائه وبناته.. الحياة معه تقيدني حتى الصميم, أنا لست أبغي الحرية لنفسي فقط بل الحرية لابنتي أيضا، بنت الثامنة التي يغار عليها من طفل يكبرها بعام.. زارني البارحة ليعطيني الصور المكبّرة للصغيرين، وسألني أين أمضيت النهار السابق، قلت "على البحر" قال:

-أعرف على البحر، أخبرتني فريدة، هل كنت تسبحين؟

-أنا لا أسبح منذ تزوجتك.

-وهل سبح الصغيران؟

-طبعا، نورا بدولاب مطاطي، وجهاد يسبح وحده ، أبوه علّمه. لو رأيت كم كان فرح نورا بالبحر!

-أنا لا أريد لابنتي أن تسبح، ولا أريد لها هذا التعلق بابن خالها عبد الرحمن! ما رأيك ؟ يريد أن يبعث بها إلى أهله تتربى بينهم، ولما تكبر تتزوج أحد أبناء عمومتها من جيل الأحفاد، فلربما اختارت من بينهم واحدا تستمر العائلة حاكمة به بعد انقضاء جيل الأبناء الذين حكموا والذين بعدهم سيحكمون!

ضحك ريمون وابتسمت جولييت.. تعمدت إخفاء ما قاله لي إن أصررت على الإنفصال أنه سينتزع ابنتي مني ويضعها في مدرسة داخلية، ويدرسها في أفضل جامعات نيويورك، وتناقضه مع نفسه، إذ كيف سيحقق لها ذلك بمثل هذه العقلية؟ أردفت:

-هو يعلم أنها لو كبرت معي سترفض عالمه، ويريد التأثير عليها وهي طفلة لتتلاءم مع أهدافه. ويدرك قوة الشرع في انتزاعها مني دون إرادتها أو إرادتي.. يكره انتماءها لي وللبنان ولأسرتي. أتعلم لماذا يكره إبن عبد الرحمن؟ لأنه إبن ذلك الرجل الرائع، الوفي لوطنه ومبادئه، والذي كان ينتقد الكثير من مواقفه، ولأنه متزوج فلسطينية هي مثله بنكران الذات والعطاء حتى أنها ربت إبنا ليس إبنها إكراما لعبد الرحمن بينما كانت تشتهي أن يكون لها منه نصف دستة من الأطفال لتكرر نموذجه في الحياة لولا الظروف الصعبة التي عانى منها شعبها في الجنوب .. كانت تلك المرأة من جملة الضحايا حين قصفت مروحية إسرائيلية بيت عبد الرحمن في عين الحلوة، وابنها الذي هو عندي لا يدري بموتها, بينما أخوه المتبنى فقد ساقه فرافقه أخي إلى باريس ليعالج هناك، بقي مع الطفل المتبنى لأن الصدمة أوقع عليه لو عرف بمقتل من يظنها أمه، وأكثر ايلاما له لو عرف أنها ليست أمه وعبد الرحمن ليس أباه.

كنت أقص على ريمون وجولييت القصة لأول مرة..وأردفت:

-ماهو ذنب عبد الرحمن في عرف زوجي؟ إنه ذنب من يتبنى القضية الفلسطينية بصدق في عيون كل المنافقين والإنتهازيين وأصحاب المصلحة ، ويكشف بقلمه فجورهم وفسادهم!

-الإنسان يتغير في مواقفه ورؤياه.. قد ينقلب الإنسان من شيء إلى نقيضه حسب قناعاته وحوافزه.. الحب أو الإنتقام يفعلان العجائب في تغيير الإنسان حتى تجاه مصلحته الحقيقية.

-إنني أرى بوادر تغيير في تصرفات زوجي منذ سافر إلى الجنوب وبدأت حقائق كثيرة تنجلي لعينيه. إنتظر! سأريك الصور التي التقطها في هذه الرحلة.. قال بعد أن رآها وأعطاها لجولييت:

-أنا واثق أنها ستكون إلى الأفضل، لأن دافعها هو الحب لك ولابنتك، ولأسرتك. ولهذا أنصحك أن تتريثي، ولا ترم به إلى الجانب الآخر، فأنت قرب رجل قوي يشعر بالمسؤولية تجاهك وتجاه ابنتك، بل حتى تجاه أقاربك الأبعدين!

ناولت ريمون مجموعة الصور التي التقطها زوجي في طريق العودة لفتى الكلاشنكوف، وخرجت لأرى إذا كان الصغيران قد ناما، ولأطلب من فريدة إعداد العشاء..

*†† *†† *