قلنا في مطلع هذه الدراسة: " وفي عام 1945 أعلن وزير الخارجية البريطانية أنطوني إيدن أن بريطانيا ترحب بقيام جامعة تضم الدول العربية بأمل أن تقف بريطانيا تلك وراء هذه الجامعة لمقاومة التسلّل الأميركي إلى المنطقة وذلك على اعتبار أن معظم وأكبر الدول التي ستقوم عليها الجامعة العربية حينذاك مرتبطة بالإنجليز بمعاهدات وقواعد كانت أنشأتها سلطات الاستعمار البريطاني على أراضيها. ولم ينسَ الإنجليز بهذه العملية النكاية بغرمائهم القدماء الفرنسيين الذين كانت لهم مستعمرات وانتدابات في العالم العربي وإن غاب عن بالهم أنهم وغرماءهم في طريق الرحيل عن هذا العالم بالشكل القديم لاستعمارهم. وقد هُرع العرب إثر الإعلان البريطاني الآنف الذكر إلى الاجتماع في الإسكندرية وأعلنوا في الثاني والعشرين من آذار عام 1945 قيام جامعتهم التي انضم إليها حينذاك كلٌّ من مصر وسورية والعراق والعربية السعودية ولبنان وشرقي الأردن واليمن". فالجامعة العربية قامت على أنظمة منخرطة في النظام الرأسمالي الاحتكاري العالمي وبإذن من زعيمة هذا النظام بريطانيا العظمى التي كانت في تلك الأيام تقوم بالتخلّي عن هذه الزعامة وتسليم أعنّتها للاستعمار الصاعد الأميركي مع سعيها في ذات الوقت إلى الاحتفاظ بكل قاعدة ونفوذ في إمبراطوريتها القديمة يعزّزان من وجودها إلى جانب أميركا في النظام الاستعماري العالمي الجديد.

وكانت الأنظمة العربية جميعها بدون استثناء، مادياً وروحياً، بعيدة كل البعد عن كل ما يدفع إلى الثورة للخلاص من النظام الرأسمالي الاحتكاري أبي الاستعمار. وكان أقصى ما يطمح إليه "المتحرر" من تلك الأنظمة هو الخلاص من القواعد الأجنبية على أرضه ومن الوصاية الفجّة على شؤونه الداخلية. وقد تخلص كلٌّ من سورية ولبنان من القواعد الأجنبية بينما كانت مصر تناضل بلا هوادة من أجل الخلاص من القواعد الإنجليزية.

أما نظام شرقي الأردن فكان برمّته نظام قاعدة إنجليزية يتحكم مباشرة بأركانه الأساسية، كالجيش وغيره من مقوّماته، إنجليز يُسَهِّل أمورهم خدم وعملاء محليّون نشأوا وترعرعوا مع نشوء واستفحال مدرسة لورانس عميل المخابرات البريطانية الشهير، وتشدّه إلى الإمبراطورية البريطانية روابط استعمارية لا يخفيها الاستقلال المزيف. وكان النظام العراقي بقيادة ذات طغمة "الخرّيجين" من تلك المدرسة توجههم الأطماع المريضة الشاذة لأولئك الذين ينتسبون ظلماً إلى أعظم ثائر على الاستعلاء وانتهاك حق الإنسان في التقدم والحرية والذين لا ينفكّون أبداً عن مغالطة الناس وتغطية ما يرتكبونه من سوء في حق أمتهم بالرداء الشفّاف لذلك الانتساب مع أنه من البديهي أن:

ابن الرسول فتىً فيه شمائلـه وفيه نخوته والعهد والشـمم

ما كان طه لرهط الفاسقين أباً آل النبي بأعلام الهدى ختموا

كذلك كان ذلك النظام السعودي القابع في ظلمات التخلّف والهمجية بقيادة رهط فاسقين يستجدون "البخشيش" من المستعمرين الصهاينة الأميركان واليهود ليذهبوا به ويبدّدوه على مباذلهم في أميركا وأوروبا، وذلك لقاء تمكين أولئك المستعمرين من ثرواتنا ونشر فسادهم بين ظهرانينا. ومن جهة أخرى كان إنقاذ فلسطين، ولا يزال أبداً، يعني تقويض قاعدة أساسية في النظام الاستعماري العالمي في أخطر مكان من كل النواحي الستراتيجية والاقتصادية والسياسية والعسكرية وتعجيل عودة العرب إلى احتلال مكانهم الطبيعي على مسرح التاريخ بقيام دولتهم الكبرى، وباختصار كان إنقاذ فلسطين عتبة زوال النظام الرأسمالي الاحتكاري العالمي. فكيف إذن يمكن لتلك الأنظمة الموصوفة بهذه الصفات أن تذهب للقيام بهذه العملية التاريخية الثورية الحاسمة؟ ومع ذلك فإن الثورة العربية التي لا سبيل إلى إنكار وجودها وتأصّلها في ضمير أمتنا الثائرة أبداً على الظلم والطامحة أبداً إلى تحرير الإنسان منذ أقدم عصور التاريخ وإلى الأبد بحكم موقعها ووظيفتها الأزلية العالمية كأمة وسط، نقول ومع ذلك وقعت ثورتنا العربية في الخطأ الفادح فلم توكل فقط إلى الجامعة العاجزة المذكورة تلك المهمة الإنسانية الثورية الكبرى، ولم تستكن إلى أنظمتها المنخرطة جميعها بدون استثناء في النظام الاستعماري العالمي فحسب، وإنما أيضاً أسندت إلى المستعمرين الإنجليز من خلال النظام الأردني ورئيسه الملك عبد اللّه مهمة تحريرنا من الصهاينة وإنقاذنا من مخططات الإنجليز

إن ثورات أمتنا المجيدة، وفي قمتها ثورتها الإسلامية العظمى، كانت قبل تحرير إنساننا العربي من الطغيان والعبودية تحرر هذا الإنسان من الوثنية فتبني نفسه على أسس من العقائد الإنسانية الشاملة. ثم إنها كانت تنطلق مدفوعة بتلك العقائد وعلى ضوئها للجهاد من أجل إزالة الطغيان والتحرّر من العبودية. وكان طبيعياً وكياناتها مبنية بعقائدها وموجهة بها أن لاتعوّل في مسيرتها على مساعدة ودعم الوثنيين الأعداء وخدمهم. فالإسلام مثلاً لم يستجد الروم أو الفرس لمساعدته على بناء كيان له في النظام العالمي، كما لم يعتمد أبداً على أنظمة حرس حدود الإمبراطوريتين العالميتين العبوديتين روما وفارس، لم يعتمد أبداً على المناذرة خدم الفرس والغساسنة خدم الروم وعلى أمثالهم من العبوديين، لقد كانت هذه الثورة تدرك تماماً واقع عصرها وحقيقة علاقاته بهدي عقيدتها التي بنت نفوس أبنائها وأنارت طريقهم فما كان هنالك من مجال فيها للسقوط في خطأ الاستعانة بأجراء وحرس حدود النظام العبودي العالمي للتحرّر من هذا النظام. أما الثورة العربية المعاصرة فهي ما تزال مفتقرة إلى العقيدة التي توضّح لها واقع عالمها وتبيّن لها علاقاته المتشابكة وتحدد هويات الأصدقاء والأعداء، وبالتالي تحدد طريق الوصول إلى التحرّر بعيداً عن أنظمة أُجراء المستعمرين. بل إننا نجدها في أكثر الأحيان توكل أمورها إلى من يفرط بها بوضعها في موضع الاستجداء من أعدائها الألدّاء، بوضعها على طريق الركض وراء سرابات "الحل السلمي" يتفضل به عليها عدّوها الأميركي اللدود.

Text Box: عندما يعمل المجاهدون في ميادين القتال بإرادة مستقلة وبوحي من ضمائرهم وإيمانهم تكون قوانين الحرب والاحتمالات قائمة فيكسب من يكسب ويخسر من يخسر بحسبها. وعلى العكس تتعطل هذه القوانين عندما تتدخل جيوش  

يمكنك الاتصال بنا على عنوان البريد الإلكتروني:

Text Box: 2